في الاقتصاد، لا تكمن أهمية الأحداث في وقعها الآني، بل في قدرتها على تغيير المسارات طويلة الأجل. ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى قرار إسرائيل توسيع استقدام العمالة الأجنبية من آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية باعتباره مجرد استجابة مؤقتة لنقص العمالة بعد حرب أكتوبر 2023، بل باعتباره مؤشراً على تحول هيكلي قد يعيد تشكيل العلاقة الاقتصادية الفلسطينية–الإسرائيلية لعقود قادمة.
فعلى مدار سنوات طويلة، شكّل العمال الفلسطينيون ركناً أساسياً في قطاعات البناء والزراعة والخدمات داخل إسرائيل. لكن الحرب دفعت المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية إلى إعادة تقييم هذا النموذج، والسعي إلى تقليل الاعتماد على العمالة الفلسطينية واستبدالها تدريجياً بعمالة أجنبية أو بتقنيات أكثر اعتماداً على الأتمتة.
وهنا يبرز السؤال الأهم هل نحن أمام أزمة مؤقتة في سوق العمل أم أمام نهاية نموذج اقتصادي كامل؟
اقتصاد يعتمد على تصدير العمالة
قبل الحرب، بلغ عدد الفلسطينيين العاملين في إسرائيل والمستوطنات نحو 178 ألف عامل، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وكانوا يشكلون أحد أهم مصادر الدخل لعشرات آلاف الأسر الفلسطينية.
وبالاستناد إلى متوسطات الأجور السائدة قبل الحرب، يمكن تقدير إجمالي الدخل السنوي المتولد عن هذه العمالة بما يتراوح بين 12 و15 مليار شيكل سنوياً. ويستند هذا التقدير إلى عدد العاملين ومتوسط الأجور الشهرية في القطاعات التي تتركز فيها العمالة الفلسطينية، وعلى رأسها البناء والخدمات.
وتعادل هذه التدفقات النقدية ما يقارب 15% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، ما يجعل العمالة في إسرائيل أقرب إلى قطاع تصديري غير معلن منه إلى مجرد سوق عمل خارجي.
لذلك فإن أي تراجع كبير في هذا المصدر لا يمثل أزمة تشغيل فقط، بل صدمة اقتصادية واسعة النطاق.
ما الذي تغيّر في إسرائيل؟
اقتصادياً، كان العامل الفلسطيني يتمتع بمزايا واضحة: الخبرة، والقرب الجغرافي، وانخفاض تكاليف التشغيل مقارنة بالعمالة الأجنبية.
لكن بعد الحرب دخل عامل جديد إلى المعادلة: الأمن.
ومن منظور صانع القرار الإسرائيلي، أصبح تقليل الاعتماد على العمالة الفلسطينية هدفاً استراتيجياً يوازي في أهميته تقليل الاعتماد على أي مورد خارجي يُنظر إليه باعتباره مصدراً للمخاطر.
ولهذا السبب تسارعت اتفاقيات استقدام العمال من الهند والفلبين وسريلانكا وتايلاند ودول أخرى، في محاولة لإعادة بناء قاعدة جديدة لسوق العمل الإسرائيلي.
لكن السؤال الذي يغيب عن كثير من التحليلات هو: هل تستطيع إسرائيل فعلاً الاستغناء عن العامل الفلسطيني؟
هل ينجح الاستبدال الكامل؟
الإجابة ليست محسومة.
فمن ناحية، تمتلك إسرائيل الإرادة السياسية والأدوات التنظيمية لتوسيع الاعتماد على العمالة الأجنبية.
لكن من ناحية أخرى، يواجه هذا التوجه تحديات عملية عديدة، منها ارتفاع تكاليف الاستقدام والإسكان، وصعوبة تعويض الخبرات المتراكمة للعمال الفلسطينيين، والحاجة إلى وقت طويل لدمج أعداد كبيرة من العمال الجدد في قطاعات حيوية كالبناء.
كما أن عدداً من التقارير الاقتصادية الإسرائيلية أشار إلى تباطؤ مشاريع إنشائية وتأخر تنفيذ بعض المشروعات بسبب النقص المفاجئ في العمالة الفلسطينية.
وبالتالي فإن الاستبدال الكامل ليس مضموناً، لكن الاتجاه العام نحو تقليص الاعتماد على العمالة الفلسطينية يبدو واضحاً.
من أزمة عمالة إلى أزمة نموذج اقتصادي
تكمن المشكلة الحقيقية في أن الاقتصاد الفلسطيني أصبح على مدار العقود الماضية شديد الارتباط بسوق العمل الإسرائيلي.
ومنذ توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، نشأت علاقة اعتماد اقتصادي غير متكافئ، حيث يعتمد الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي بدرجة تفوق كثيراً اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني.
وقد كشفت الحرب هشاشة هذا النموذج.
فخلال أسابيع قليلة، فقد عشرات آلاف العمال مصدر دخلهم بقرارات سياسية وأمنية لا يملكون أي قدرة على التأثير فيها.
وهذا ما يجعل القضية اليوم تتجاوز حدود التشغيل لتصل إلى جوهر النموذج الاقتصادي الفلسطيني نفسه.
سيناريو 2030: ماذا لو استمرت إسرائيل في هذا المسار؟
إذا نجحت إسرائيل في استبدال نصف العمالة الفلسطينية فقط بحلول عام 2030، فقد يخسر الاقتصاد الفلسطيني ما بين 6 و7 مليارات شيكل سنوياً من دخول الأسر.
أما إذا ارتفعت نسبة الاستبدال إلى 75%، فقد تتجاوز الخسائر 10 مليارات شيكل سنوياً، مع آثار مباشرة على الاستهلاك والاستثمار والإيرادات الضريبية.
وفي حال تحقق سيناريو الاستبدال شبه الكامل خلال العقد القادم، فإن الاقتصاد الفلسطيني قد يفقد تدفقات مالية تعادل مليارات الدولارات سنوياً، ما سينعكس على معدلات البطالة والفقر والنمو الاقتصادي.
وتزداد خطورة هذا السيناريو بالنظر إلى أن سوق العمل الفلسطيني يستقبل سنوياً عشرات آلاف الداخلين الجدد من الشباب والخريجين، ما يعني أن التحدي لا يقتصر على تعويض الوظائف المفقودة، بل يشمل أيضاً توفير فرص عمل للأجيال القادمة.
ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟
رغم اختلاف الظروف السياسية بين فلسطين ودول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وأيرلندا، فإن هذه التجارب تقدم دروساً مهمة في كيفية التعامل مع الصدمات الهيكلية.
فقد استثمرت سنغافورة في رأس المال البشري والتدريب المستمر، وحولت المهارات إلى مصدر رئيسي للتنافسية الاقتصادية.
أما كوريا الجنوبية فركزت على التصنيع والتصدير وبناء قاعدة إنتاجية قوية، معتبرة أن خلق الوظائف المستدامة يبدأ بخلق قطاعات إنتاجية مستدامة.
في حين نجحت أيرلندا في التحول من دولة تعاني البطالة والهجرة إلى مركز عالمي للاستثمار والتكنولوجيا من خلال التعليم وجذب رأس المال الأجنبي.
الدرس المشترك بين هذه التجارب هو أن مواجهة التحولات الكبرى لا تتم عبر محاولة استعادة الماضي، بل عبر بناء نموذج اقتصادي جديد.
التحدي القادم: العمالة الأجنبية أم الذكاء الاصطناعي؟
قد يكون الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن المنافس الوحيد للعامل الفلسطيني هو العامل الأجنبي.
فالاقتصاد العالمي يتجه بسرعة نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي وتقنيات البناء الحديثة التي تقلل الحاجة إلى العمالة منخفضة المهارة.
وإسرائيل تُعد من الدول الرائدة في تبني التكنولوجيا، ما يعني أن جزءاً من الوظائف التي يشغلها العمال الفلسطينيون اليوم قد لا يشغله أي عامل مستقبلاً، بل أنظمة وتقنيات جديدة أكثر كفاءة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيحل محل العامل الفلسطيني، بل بطبيعة الوظائف المطلوبة خلال العقد المقبل.
ما المطلوب فلسطينياً؟
لم يعد كافياً انتظار عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
فالتحولات الجارية تستدعي استراتيجية وطنية للتحول الاقتصادي تقوم على أربعة محاور:
تطوير القطاعات الإنتاجية القادرة على التصدير.
الاستثمار في المهارات الرقمية والتقنية.
تعزيز ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
جذب الاستثمارات المحلية والعربية نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
فالوظيفة المرتبطة بقرار سياسي يمكن أن تختفي بين ليلة وضحاها، بينما الوظيفة المرتبطة بقطاع إنتاجي تنافسي تكون أكثر استدامة وقدرة على الصمود.
الخلاصة
قد لا تنجح إسرائيل في الاستغناء الكامل عن العمالة الفلسطينية، لكن المؤشرات الحالية تدل على أنها تسعى إلى تقليص اعتمادها عليها بصورة منهجية.
وفي المقابل، يواجه الفلسطينيون سؤالاً أكثر أهمية من عدد التصاريح أو فرص العمل المتاحة داخل إسرائيل هل يمكن بناء اقتصاد أقل اعتماداً على الخارج وأكثر قدرة على خلق فرصه من الداخل؟
لقد وفّرت العمالة في إسرائيل لعقود شبكة أمان مهمة للاقتصاد الفلسطيني، لكنها أخّرت في الوقت نفسه مواجهة السؤال الأصعب كيف يمكن بناء اقتصاد ينتج فرص العمل بدلاً من تصدير الباحثين عنها؟
إذا كانت إسرائيل تدشن اليوم مرحلة ما بعد العامل الفلسطيني، فإن التحدي الحقيقي أمام فلسطين هو تدشين مرحلة ما بعد الاقتصاد المعتمد على العامل الفلسطيني.
