رمضان في الضفة… روح تتحدى القيود وفوانيس تضيئ عتمة الليل

رغم القيود والحواجز العسكرية، ورغم الاقتحامات المتكررة والمداهمات الليلية وتصاعد اعتداءات المستوطنين في الفترة الأخيرة، استقبل أهالي الضفة الغربية شهر رمضان المبارك بروح إيمانية عالية، تؤكد أن الحياة قادرة على الاستمرار حتى في أصعب الظروف.

في جميع المدن بالضفة الغربية من جنين شمالا إلى الخليل جنوبا، أُضيئت الشوارع بالفوانيس والزينة الرمضانية، وارتفعت العبارات المضيئة التي تحمل تهاني الشهر الفضيل فوق الأزقة والأسواق، في رسالة صمود أكبر من مجرد مظهر احتفالي.

ومع حلول الليلة الأولى من رمضان، امتلأت المساجد بالمصلين لأداء صلاة التراويح، حيث علت أصوات الدعاء والقرآن في مشهد أعاد إلى الناس طمأنينتهم المؤقتة وسط واقع مضطرب، فيما حرصت الكثير من العائلات على اصطحاب أطفالها إلى المساجد، في محاولة لغرس روح الشهر في نفوسهم، وتعزيز الإحساس بالانتماء والسكينة.

ورغم القيود على الحركة بين المدن والبلدات، تمكن المصلون من الوصول إلى مساجدهم القريبة، فيما اختار آخرون إقامة الصلوات في الأحياء، في مشهد يعكس مرونة المجتمع وقدرته على التكيّف.

أما في الأسواق الشعبية، فانتشرت الفوانيس المضيئة بألوانها الزاهية، وحملها الأطفال بفرح واضح، غير آبهين بثقل الواقع السياسي، فشراء الفانوس في الضفة لم يكن مجرد عادة رمضانية، بل طقس عائلي يبعث الأمل في البيوت، ويمنح الأطفال لحظة بهجة وسط أخبار يومية مثقلة بالتوتر.

وقبل أذان المغرب بساعات، ازدحمت الأسواق بالمتسوقين لشراء مستلزمات الإفطار، وكانت رائحة القطايف الساخنة والحلويات الشرقية قد ملأت الشوارع، وتكدست المحال بأنواع العصائر والتمور والمكسرات وكل ما لذ وطاب من أطعمة الشهر الكريم.

وفي مشهد يتكرر كل عام، تتحول الأسواق إلى مساحة تلاقٍ اجتماعي، حيث يتبادل الناس التهاني والدعوات، وكأنهم يؤكدون أن رمضان ليس فقط عبادة، بل أيضاً تضامن وتكافل اجتماعي.

لكن خلف مشاهد الزينة والفرح، تعيش آلاف العائلات الفلسطينية وجعا صامتا مع حلول رمضان، في ظل غياب أبنائها وأحبائها داخل سجون الاحتلال، فموائد الإفطار التي كانت تكتمل بوجودهم، باتت تحمل فراغا مؤلما، والأماكن التي اعتادوا الجلوس فيها أصبحت تذكيرا دائما بذكريات جميلة كانت تجمع العائلة حول دعاء واحد وابتسامة واحدة، فرمضان قد أعاد إلى الأذهان تفاصيل صغيرة، من كان يوزع التمر، من كان يرفع الأذان في البيت، من كان يصر على صلاة الجماعة…ذكريات تتحول في هذا الشهر إلى دعاء دائم بأن يعود الغائبون، وأن تلتئم البيوت من جديد.

يبقى شهر رمضان في الضفة الغربية شهر نور وأمل، ورسالة صمود تقول إن الروح لا تقهر، وإن الإيمان أقوى من كل القيود، لذلك اختار الفلسطينيون أن يستقبلوا رمضان كفصل للسكينة والتقارب، وأن يحافظوا على طقوسهم التي توارثوها جيلا بعد جيل، فالزينة التي أُضيئت، والتراويح التي أُقيمت، والفوانيس التي اشتراها الأطفال، والقطايف التي بيعت في الأسواق… كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تحمل معنى كبيرا وهو أن رمضان في الضفة الغربية يبقى شهر نور، مهما اشتدت العتمة.