مع اقتراب رمضان..دعوات للهدوء بالقدس وسط مخاوف من عسكرة المدينة

لم يبق سوى أسبوعين ليحل شهر رمضان المبارك، وهو سبب وجيه لتعود مدينة القدس والمسجد الأقصى إلى واجهة المشهد السياسي والديني من جديد، في ظل حالة من الترقب والقلق التي تسود مختلف الأطراف الفلسطينية والاسرائيلية، فالقدس، بما تحمله من رمزية دينية وتاريخية عميقة، تتحول في كل عام خلال الشهر الفضيل إلى محور حساس تتقاطع فيه الاعتبارات الأمنية مع الحقوق الدينية والإنسانية.

إسرائيل، من جهتها، تعلن خشيتها من تصاعد التوتر والمواجهات خلال الشهر الفضيل، خصوصا في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، حيث يشهد المكان عادة توافد مئات الآلاف من المصلين الفلسطينيين، لا سيما في صلوات الجمعة وليالي العشر الأواخر، وتعتبر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن شهر رمضان يمثل "فترة حساسة" قد تشهد احتجاجات أو مواجهات، ما يدفعها إلى الاستعداد بخطط أمنية مشددة.

في المقابل، يعيش الفلسطينيون حالة من القلق المتزايد من أن تتحول هذه الاستعدادات الأمنية إلى قيود فعلية على حرية العبادة والتنقل، عبر نشر مكثف للقوات، وإقامة الحواجز، وفرض قيود عمرية أو جغرافية على دخول المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فيما يخشى المقدسيون أن تتحول البلدة القديمة، خلال رمضان، إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، وهو ما يتناقض مع قدسية المكان وروح الشهر الفضيل.

ويرى فلسطينيون أن أي إجراءات تقيد الوصول إلى الأقصى لا تمس فقط بحقوقهم الدينية، بل تشكل مساسا مباشرا بالهوية الدينية والوطنية للمدينة، فشهر رمضان في القدس ليس مجرد مناسبة دينية، بل يمثل حالة اجتماعية وروحية جامعة، حيث تمتلئ ساحات المسجد الأقصى بالمصلين، وتنبض أزقة البلدة القديمة بالحياة، وتتعزز قيم التضامن والسكينة.

ويحذر الكثير من المختصين في شؤون القدس من أن تكثيف الوجود العسكري أو اتخاذ خطوات أحادية الجانب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويزيد من منسوب الاحتقان بدلا من تحقيق الهدوء.

ويؤكد المختص في شؤون القدس وعضو هيئة العمل الوطني والأهلي بالقدس راسم عبيدات، أن التجارب السابقة أثبتت أن التضييق على المصلين، أو اقتحامات المسجد الأقصى، غالبا ما تشعل موجات غضب تمتد آثارها إلى خارج أسوار المدينة المقدسة.

في السياق ذاته، تتصاعد الدعوات من شخصيات دينية مثل خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، إلى ضرورة احترام الوضع القائم في المسجد الأقصى، وضمان حرية العبادة الكاملة للمسلمين خلال شهر رمضان، باعتبار ذلك المدخل الأساسي للحفاظ على الهدوء والاستقرار.

كما شدد صبري على أن القدس مدينة مقدسة لأتباع الديانات السماوية، وأن التعامل معها يجب أن يراعي حساسيتها الدينية والإنسانية، بعيدا عن منطق القوة.

ولا تنفصل المخاوف الفلسطينية عن السياق الإقليمي الأوسع، في ظل استمرار التوترات في المنطقة، وما تشهده الأراضي الفلسطينية من تصعيد عسكري وأزمات إنسانية، لا سيما في قطاع غزة. ويخشى كثيرون أن يتم إسقاط هذه التوترات على القدس، بما يجعلها ساحة إضافية للصراع بدل أن تبقى مساحة للعبادة والسلام.

ومع اقتراب أول أيام رمضان، تبقى القدس أمام معادلة دقيقة: إما الحفاظ على قدسية المكان وحرية العبادة بما يضمن شهرا هادئا وروحانيا، أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد الذي يهدد السلم الأهلي ويفتح الباب أمام مواجهات لا يرغب بها أحد.

ومع هذا الواقع، يعلّق المقدسيون آمالهم على أن يكون رمضان هذا العام شهر عبادة وطمأنينة، لا شهر حواجز وإجراءات أمنية، وأن تبقى أبواب المسجد الأقصى مفتوحة أمام المصلين دون قيود، ليؤدوا شعائرهم الدينية في أجواء من السكينة التي تليق بقدسية المكان وروح الشهر الفضيل.