يصل سعر كيلو لحم الخروف إلى نحو 125 شيكلاً، متجاوزاً 135 شيكلاً في بعض المناطق، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للأسر، وتواجه فيه الملاحم انخفاضاً في المبيعات وأعباء تشغيلية متزايدة، بينما يحذّر ممثلو قطاع اللحوم من تراجع الثروة الحيوانية المحلية واتساع الاعتماد على الاستيراد.
وتضع هذه المعطيات سوق اللحوم أمام معادلة اقتصادية معقدة: أسعار مرتفعة تثقل كاهل المستهلك، وتكاليف إنتاج وتشغيل تضغط على المزارعين وأصحاب الملاحم، وإجراءات حكومية يقول ممثلو القطاع إنها لم تُنفّذ بالشكل الكافي لضبط السوق وتعزيز المنافسة.
ويرى رئيس نقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي في فلسطين، عمر النبالي في تصريح لشبكة وطن الإعلامية، أن أزمة الأسعار تراكمت على مدار سنوات، رغم إمكانية معالجتها من خلال دعم الإنتاج المحلي وتنظيم الاستيراد ومراقبة الأسعار.
ويقول النبالي، إن سعر كيلو لحم الخروف ينبغي ألا يتجاوز 70 شيكلاً، مقابل نحو 125 شيكلاً حالياً، وقد يصل إلى أكثر من 135 شيكلاً في بعض المناطق، معتبراً أن الفجوة بين السعر الحالي والقدرة الشرائية للأسر باتت كبيرة.
من 90 إلى 125 شيكلاً.. كيف ارتفعت أسعار اللحوم؟
تعكس الأسعار المتداولة اتساع العبء المالي لشراء اللحوم الحمراء، إذ ارتفع سعر كيلو الخروف، وفق المعطيات الواردة في المادة، من نحو 90 إلى 100 شيكل مطلع عام 2025 إلى مستويات تصل إلى 125 شيكلاً حالياً، مع تسجيل أسعار أعلى في بعض المناطق.
ولا تقتصر تداعيات الارتفاع على المستهلك، بل تمتد إلى الملاحم التي تواجه تراجعاً في حركة البيع، نتيجة إحجام بعض الأسر عن شراء اللحوم أو تقليص الكميات التي تشتريها.
ويقول النبالي إن أصحاب الملاحم لا يعارضون حملة "بلاها اللحمة" والتحركات المجتمعية المطالبة بخفض الأسعار، لكنه يرفض تحميل اللحامين وحدهم مسؤولية الغلاء، مشيراً إلى أن أصحاب ملاحم لجأوا في فترات سابقة إلى التوقف عن الذبح احتجاجاً على الأوضاع القائمة.
ويضيف أن زيادة المبيعات تصب في مصلحة اللحامين، إلا أن ضعف القدرة الشرائية وتراجع الطلب يرفعان الأعباء المالية على الملاحم، التي تتحمل تكاليف التشغيل ومخاطر بقاء اللحوم دون بيع.
الثروة الحيوانية تتراجع.. ومخاوف من ارتفاعات جديدة
يضع النبالي دعم الثروة الحيوانية المحلية في صدارة الحلول المطلوبة لخفض الأسعار على المدى الطويل، مشيراً إلى أن عدد رؤوس الأغنام في فلسطين كان يتراوح، قبل نحو عشر سنوات، بين 850 ألفاً ومليون رأس، قبل أن يتراجع بنحو 150 ألف رأس خلال الفترة الأخيرة، وفق الأرقام التي أوردها.
ويحذّر من أن استمرار تراجع أعداد الأغنام سيضعف قدرة الإنتاج المحلي على تلبية احتياجات السوق، ويزيد الاعتماد على الاستيراد، بما قد ينعكس على الأسعار والأمن الغذائي.
ويطالب بدعم مربي المواشي، وتوفير الأعلاف ومدخلات الإنتاج بكلفة أقل، من خلال إعفاءات ضريبية أو تخفيض الضرائب، إلى جانب تشجيع الشباب على إقامة مشاريع جديدة في تربية الأغنام، بما يعزز الإنتاج المحلي ويوفر فرص عمل.
من جهته، يشير عضو نقابة اللحامين علاء سرطاوي، وهو صاحب ملحمة في بلدة بديا بمحافظة سلفيت، إلى أن مربي المواشي يواجهون ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج في ظل غياب الدعم الكافي، داعياً وزارة الزراعة إلى تخفيف الأعباء الضريبية عن الأعلاف ومساندة المزارعين.
ويؤكد سرطاوي أن معالجة الأزمة تتطلب إجراءات متكاملة تبدأ من دعم المزارع، وتمتد إلى تنظيم الاستيراد ومراقبة الأسعار وهوامش الربح، محذراً من أن استمرار الضغوط المالية وتراجع المبيعات قد يدفع مزيداً من الملاحم إلى الإغلاق.
500 شيكل يومياً.. كلفة تشغيل تضغط على الملاحم
لا تتوقف تداعيات الأزمة عند المزارعين، إذ يواجه أصحاب الملاحم، بحسب ممثلي النقابة، صعوبة في تغطية نفقاتهم في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.
ويقول عضو نقابة اللحامين أمير عودة، وهو لحام من بلدة كفر ثلث بمحافظة قلقيلية، إن سعر كيلو لحم الخاروف في قلقيلية يبلغ نحو 110 شواكل، في وقت لا تقل فيه المصروفات التشغيلية للملحمة الصغيرة عن 500 شيكل يومياً، وفق تقديره.
ويشير عودة إلى أن انخفاض المبيعات يجعل تغطية الالتزامات اليومية أكثر صعوبة، خصوصاً مع احتمال تلف اللحوم غير المباعة، ما يحوّل المخزون الذي لم يُصرّف إلى خسارة إضافية.
ويستشهد بتراجع أعداد الأغنام في بلدته، قائلاً إنها كانت تضم نحو 12 ألف رأس في عامي 2007 أو 2008، بينما لا يتجاوز العدد حالياً، وفق تقديره، 500 رأس.
ويحذّر من أن استمرار هذا التراجع قد يؤدي إلى خروج مزيد من المربين من القطاع، وزيادة الاعتماد على اللحوم المستوردة، متوقعاً أن يصل سعر الكيلوغرام إلى 150 شيكلاً إذا استمرت الأوضاع الحالية.
وفي ما يتعلق بهوامش الربح، يرفض سرطاوي الاعتقاد بأن اللحامين يحققون أرباحاً تعادل 100% من سعر الكيلوغرام، مشيراً إلى تكاليف التشغيل وتراجع المبيعات والخسائر الناتجة عن تلف اللحوم.
ويلفت إلى أن بعض المتاجر الكبرى تعرض كيلوغرام لحم الخاروف بنحو 75 شيكلاً، بينما تواجه الملاحم صعوبة في منافسة هذه الأسعار في ظل اختلاف التكاليف والظروف التشغيلية.
وتبقى هذه التقديرات بحاجة إلى بيانات تفصيلية توضح كلفة شراء المواشي والأعلاف والنقل والذبح والتشغيل، وهوامش الربح في كل مرحلة، بما يسمح بتحديد أسباب الفجوة بين كلفة اللحوم وسعر بيعها للمستهلك.
كوتا استيراد معفاة من الجمارك.. هل يستفيد المستهلك؟
إلى جانب دعم الإنتاج المحلي، يطالب النبالي وزارة الاقتصاد الوطني بمتابعة كوتا استيراد اللحوم، بما يضمن انتقال أثر الإعفاءات الجمركية إلى المستهلك، بدلاً من اقتصار فائدتها على المستوردين.
ويشير إلى وجود نحو 50 ألف رأس ضمن كوتا معفاة من الرسوم الجمركية، معتبراً أن الاستفادة من هذه التسهيلات يجب أن تنعكس على الأسعار النهائية في السوق.
كما يتحدث عن تفاهمات جرى التوصل إليها مع وزارة الاقتصاد الوطني خلال اجتماع لخلية أزمة في نيسان/أبريل 2026، شملت تنظيم المنافسة بين الملاحم والمتاجر الكبرى، وتمييز اللحوم البلدية عن المستوردة باستخدام أختام مختلفة، ومتابعة أسعار اللحوم المجمدة.
ويقول النبالي إن هذه التفاهمات لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن، رغم أهميتها في توضيح نوع اللحوم المعروضة للمستهلك والحد من المنافسة غير المتكافئة، وفق وصفه.
ويضيف أن تعديلات أُجريت على كوتا اللحوم المجمدة، وأن اتفاقاً مع الشركات المستوردة نص، وفق قوله، على ألا يتجاوز سعر كيلوغرام اللحوم المستوردة 30 شيكلاً، داعياً إلى متابعة تنفيذ الاتفاق والتحقق من انعكاسه الفعلي على الأسعار.
من يحدد السعر النهائي لكيلو اللحوم؟
تفتح الأزمة باب التساؤلات حول توزيع الكلفة والأرباح بين حلقات سلسلة التوريد، بدءاً من تربية المواشي والأعلاف، مروراً بالاستيراد والضرائب والنقل والذبح، وصولاً إلى البيع للمستهلك.
ويقول النبالي إن سعر كيلوغرام الخاروف القائم يتراوح بين 44 و45 شيكلاً، فيما يصل سعر كيلوغرام القص، وفق تقديره، إلى نحو 55 شيكلاً. ويرى أن بيع اللحم بسعر 110 شواكل قد يحقق هامشاً محدوداً في الأيام الأولى، لكن بقاء اللحوم دون بيع لأيام إضافية قد يحوّل العملية إلى خسارة بسبب التلف وتكاليف التشغيل.
غير أن تحديد مدى مساهمة كل حلقة في السعر النهائي يتطلب نشر بيانات أكثر تفصيلاً وشفافية حول تكاليف الإنتاج والاستيراد والذبح والتوزيع والتشغيل، إلى جانب هوامش الربح الفعلية، بدلاً من الاكتفاء بتقديرات الأطراف المعنية.
كما تبرز الحاجة إلى توضيح آليات الرقابة على الأسعار، ومدى انعكاس الإعفاءات والتسهيلات الممنوحة للمستوردين على أسعار البيع، خصوصاً في ظل الفجوة بين أسعار اللحوم في بعض المتاجر الكبرى والأسعار المتداولة في الملاحم.
"بلاها اللحمة".. المقاطعة وحدها لا تعالج الأزمة
في مواجهة حملة "بلاها اللحمة"، يدعو النبالي القائمين عليها إلى توسيع مطالبهم لتشمل دعم المزارعين ومربي المواشي، والضغط من أجل تنفيذ إجراءات عملية للنهوض بالثروة الحيوانية، بدلاً من الاقتصار على مقاطعة شراء اللحوم.
ويطالب وزارة الزراعة بوضع خطة لدعم القطاع، تتضمن تخفيف الضرائب عن الأعلاف، وتوفير التمويل بشروط ميسرة، وتشجيع المشاريع الجديدة، فيما يدعو وزارة الاقتصاد الوطني إلى تنظيم الاستيراد وضبط هوامش الربح ومراقبة الأسعار وتنفيذ التفاهمات المتعلقة بتمييز اللحوم البلدية عن المستوردة.
كما يعترض على فرض فوائد على التمويلات الصغيرة التي تقدمها مؤسسة الإقراض الزراعي لمربي الثروة الحيوانية، مطالباً بمراجعة شروط التمويل بما يساعد المزارعين على مواصلة العمل وتوسيع الإنتاج.
وبينما تراهن حملة "بلاها اللحمة" على المقاطعة للضغط باتجاه خفض الأسعار، يطرح ممثلو القطاع مساراً موازياً يقوم على تخفيض كلفة الإنتاج، وتعزيز المنافسة، وتنظيم الاستيراد، وتوسيع الرقابة على السوق.
وتبقى فعالية هذه الحلول مرتبطة بمدى تحويل المطالب والتفاهمات إلى إجراءات قابلة للقياس، وبقدرة الجهات المختصة على توفير بيانات واضحة عن كلفة اللحوم وهوامش الربح، وضمان انعكاس التسهيلات على الأسعار التي يدفعها المستهلك.
فأزمة اللحوم لا تتعلق بالسعر النهائي وحده، بل بقدرة الأسر على شراء الغذاء، واستمرار المزارعين واللحامين في العمل، ومستقبل الثروة الحيوانية المحلية في سوق تتزايد فيه الضغوط على المستهلك والمنتج معاً.
