فلسطينيون يحولون نجاحاتهم بالخارج إلى طوق نجاه لغزة

رغم أن مغادرة قطاع غزة قد تكون بالنسبة لكثير من الشبان الفلسطينيين نهاية الحكاية، لكن كثيرون جعلوها بداية فصل جديد من المسؤولية والانتماء لوطنهم وعائلاتهم، فحققوا الكثير من قصص النجاح في الغربة، وبنوا مستقبلهم بعيدا عن وطنهم وأصدقائهم، لكنهم لم يكتفوا بذلك، إنما استطاعوا تحويل نجاحهم إلى طوق نجاه لعائلاتهم وغيرهم ممن بقوا في قطاع غزة.

واستطاع الكثير ممن اغتربوا عن وطنهم بحمل قضية فلسطين عامة وغزة خصوصا أينما حلوا في بلاد أوروبا أو حتى الدول العربية، من الجامعات مرورا بالمستشفيات والمؤسسات الدولية وليس انتهاء بوسائل الاعلام الغربية الكبرى، فيما اتخذ البعض من عمله في الغربة مصدرا مهما لدعم عائلات فلسطينية فقدت مصادر رزقها بغزة جراء الحرب، فيما آثر آخرون على المساهمة في تعليم الأطفال بغزة ودعم مدارس خاصة للتعليم المجاني، بينما استخدم آخرون خبراتهم المهنية للدفاع عن حقوق الفلسطينيين وايصال صوتهم إلى الدول التي يعيشون فيها.

ورغم تكلفة هذا الأمر، إلا أن الشبان الفلسطينيين في الخارج يرون أن نجاحهم لا يُقاس بحجم الدخل أو المنصب الوظيفي، إنما بنجاحهم في إحداث فرق بحياة إخوانهم وأهاليهم بقطاع غزة، ليحولوا الغربة الى فرصة لتكوين شبكات من العلاقات والخبرات، يمكن توظيفها لخدمة أهالي غزة الذين يواجهون ظروفا إنسانية صعبة جدا، عن طريق جمع التبرعات والمشاركة في المبادرات الإغاثية، وإيصال احتياجات العائلات إلى المؤسسات الإنسانية بالخارج والعمل على تأمينها.

وهناك الكثير من قصص النجاح بذلك، مثل الشاب أحمد عيسى، مؤسس مبادرة "منح لغزة"، حيث أسسها منذ خروجه مع عائلته من القطاع، ليحول تجربته إلى مشروع انساني أكاديمي عاجل يساعد الطلبة الغزيين للتقدم لمنح الجامعات الدولية، عبر ارشادهم اكاديميا ومساعدتهم في تقديم طلبات القبول في الجامعات، وربطهم بمرشدين متطوعين أيضا لاستكمال دراستهم الجامعية، حيث تشير البيانات الى أن المبادرة تضم حاليا نحو 1200 شاب ما بين طالب ومرشد متطوع.

ومنذ الشهر الثاني في حرب غزة عام 2023، اطلق أكاديميون فلسطينيون أيضا "مبادرة منح لطلاب غزة" لمساعدة طلاب الجامعات من قطاع غزة في الحصول على منح جامعية في جامعات الخارج، حيث أعلنت عن تقديم المساعدة لنحو 150 طالبا في هذا المجال، بالتعاون مع مؤسسات تقدم نفس الخدمات في الدول الغربية والعربية.

أما في المجال الطبي، فقد أعلنت جمعية الأطباء الفلسطينيين في أوروبا على تنظيم بعثات طبية إلى قطاع غزة طول السنوات الثلاث من الحرب، وصلت الى 34 بعثة، نجحت في إجراء مئات العمليات الجراحية الخطيرة والطارئة، وتقديم الخدمات الطبية لآلاف الفلسطينيين المرضى والجرحى، فيما تمكن آلاف الطلبة الفلسطينيين بالخارج من مخاطبة المجتمعات التي يسكنون فيها بلغتهم، ونجحوا في نقل معاناة أهالي قطاع غزة، ونقل صوت المعذبين في القطاع والمشردين والنازحين الى العالم بسهولة.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فالكثير من الشبان الفلسطينيين الذين يعملون في الخارج قد ساعدوا أهاليهم وإخوانهم وعائلاتهم طوال السنوات الثلاث الصعبة التي مرت، حيث لا عمل ولا مصدر دخل للعائلات في القطاع، حتى حفظوا كرامة أهاليهم وحموهم من مد يدهم لطلب الحاجة من أي مؤسسات أو أشخاص في القطاع، وهذا قمة النجاح للشبان المغتربين أنهم "حفظوا مياه وجه أهاليهم".

وعلى الرغم من اختلاف تجارب النجاح للطلاب الفلسطينيين في الغربة، إلا أن الرابط الحقيقي بينهم كان ايمانهم بأهمية مساعدة أبناء شعبهم وعائلاتهم خلال الحرب، وأن ذلك لن يتعارض بتاتا مع بناء حياتهم الشخصية بالخارج، متخذين قاعدة أساسية أن من ينجح في حياته بالخارج، يمكنه أيضا مساعدة الآخرين سواء طالب أو عائلة أو مريض في قطاع غزة.