لم تكن الغربة بالنسبة لكثير من الفلسطينيين مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل تحولت لدى بعضهم إلى نقطة انطلاق لبناء مسارات ناجحة في التعليم والأعمال والتكنولوجيا والمطاعم والعمل الأكاديمي، وصولا إلى تأسيس شركات ومشاريع باتت معروفة خارج حدود فلسطين.
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قبل ثلاث أعوام، هاجرت العديد من العائلات والشبان الفلسطينيين للبحث عن الأمان والنجاة من الحرب، فغادر بعضهم إلى مصر، وآخرون الى دول أوروبية ودول مختلفة حول العالم.
ولم يكن يومها قرار الهجرة اختياريا، بل اضطراريا للنجاة بالروح، بعد هدم منازلهم ولم يعد مكان واحد في القطاع آمن، في وقت كان صعب جدا على الجميع آنذاك، لكن المفارقة هي أنه رغم الغربة واشتياقهم لوطنهم، إلا أنهم نجحوا بتأسيس أنفسهم جيدا سواء من الجامعات والتعليم أو في عالم البزنس وريادة الاعمال.
في ألمانيا، تبرز تجربة الشاب الفلسطيني وئام السعدي، الذي نشأ في غزة وكان يدرس تكنولوجيا المعلومات قبل أن يغادر إلى ألمانيا عام 2023، وبعد نحو 16 شهرا فقط من وصوله، تمكن من إتقان اللغة الألمانية والالتحاق بالدراسة الجامعية في برلين، في نموذج يعكس قدرة الطلبة الفلسطينيين في المهجر على تجاوز حاجز اللغة والاندماج في التعليم العالي.
وفي المسار الأكاديمي، تبرز أيضا الفلسطينية سمية فرحات ناصر من بيرزيت، التي انتقلت إلى ألمانيا للدراسة بمنحة، وحصلت على درجة الدكتوراه في علم الأحياء من هامبورغ، قبل أن تكمل مسيرتها الأكاديمية والمجتمعية.
ومن الطبيعي أن قصص النجاح لا تقتصر على الجامعات فقط، ففي المكسيك نجحت عائلة المواطن محمد عبد مهندس أنظمة من غزة، والذي خرج مع أفراد من عائلته خلال الحرب ووصلوا إلى مكسيكو سيتي في مايو/أيار 2025، كان محمد قد فقد طفلته ذات الأربع سنوات خلال الحرب، لكنه بدأ في المكسيك إعادة بناء حياته من الصفر.
واتجه محمد وشقيقه فادي إلى بيع الأكلات الفلسطينية، مثل الفلافل والحمص والشاورما، في الأسواق والفعاليات المحلية، وتحول الطعام بالنسبة للعائلة إلى مصدر رزق وطريقة لتعريف المكسيكيين بفلسطين وثقافتها، كما استخدم فادي مواقع التواصل للترويج للطعام الفلسطيني وقصة العائلة.
أما في مصر فقد نجح ماجد الخزندار الذي كان يمتلك ثلاثة مطاعم في غزة، لكنها دُمرت خلال الحرب، ودُمر منزله المكون من خمسة طوابق، غادر إلى مصر في فبراير/شباط 2024 برفقة اثنين من أبنائه وزوجتيهما وأحد أحفاده، لكنه لم يتخلَّ عن مهنته.
وأعادت العائلة إطلاق اسم الخزندار في القاهرة وافتتح مطعما يقدم الفلافل والفتة والأكلات الفلسطينية، وأصبح المكان يستقطب فلسطينيين في مصر يبحثون عن مذاق غزة، مؤكدا أن تاريخ المشروع العائلي يعود إلى الجد الذي كان يملك محل فلافل في يافا قبل نكبة 1948، ثم أعاد تأسيسه في غزة، والجيل الحالي أعاده مرة أخرى في مصر بعد حرب غزة.
ويبرز كذلك الطبيب الفلسطيني عبدالله، 27 عاما، وهو طبيب كان يعمل في مستشفيات غزة أثناء الحرب، حصل على منحة تشيفنينغ ممولة بالكامل وتم إجلاؤه من القطاع عام 2025، ثم بدأ دراسته في بريطانيا، قصته مميزة لأنه لم ينتظر فقط خروجه؛ بل شارك أثناء وجوده في غزة في جهود لمساعدة عشرات الطلبة الفلسطينيين الحاصلين على منح جامعية على الوصول إلى بريطانيا، وتواصل مع مسؤولين وأكاديميين ومحامين لهذا الغرض. وبعد خروجه بدأ مرحلة أكاديمية جديدة في لندن.
أما رشا شحادة، الفلسطينية التي انتقلت مع عائلتها إلى الإمارات ودرست في الجامعة الأمريكية في الشارقة، قبل أن تدخل عالم الأعمال وتعمل على تطوير شركة العائلة المتخصصة في الاستيراد، وصولا إلى توليها منصبا إداريا قياديا فيها.
والحقيقة أن الموضوع أكبر من قصة فرد واحد، ففي سبتمبر/أيلول 2025 وصلت أول دفعة تضم 34 طالبا فلسطينيا من غزة إلى بريطانيا بعد حصولهم على منح كاملة، بينهم طلبة تشيفنينغ وطلبة حصلوا على منح من جامعات بريطانية، وبحلول 2026، قالت الحكومة البريطانية إنها كانت قد ساعدت أكثر من 100 طالب حاصلين على منح ممولة بالكامل من غزة للوصول إلى بريطانيا خلال العام الدراسي السابق، وواصلت البرنامج لدفعات جديدة.
وهؤلاء يدرسون تخصصات قوية؛ ومن بين التخصصات التي حصل فيها طلبة من غزة على فرص ومنح في الجامعات البريطانية: الذكاء الاصطناعي، علم البيانات، الطب الجينومي، وصحة الأسنان العامة.
وليست هذه النماذج سوى جزء من حكاية أوسع للفلسطينيين في المهجر والغربة، فبين طالب تعلم لغة جديدة وواصل دراسته، وأكاديمي وصل إلى الجامعات، وشاب افتتح مطعما، وآخر أسس شركة وخلق فرص عمل، استطاع كثيرون تحويل تحديات الغربة إلى فرصة لبناء حياة ومكانة مهنية جديدة.
وفي الوقت الذي لم ينحصر فيه النجاح الفلسطيني بالخارج في مجال واحد، فبدءا من قاعات الجامعات بأوروبا، مرورا بالمطاعم في مصر، وليس انتهاء بالشركات والتكنولوجيا في دبي، والأعمال في الدول العربية، تشكلت تجارب مختلفة يجمع بينها الاستثمار في التعليم والعمل والريادة والقيادة.
