أزمة القطاع الصحي الفلسطيني: كارثة تهدد حياة آلاف المرضى تحت وطأة الحصار المالي

تنشر وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، بالتعاون مع اتحاد وكالات الأنباء العربية "فانا"، تقريرا ضمن ملف الخدمة الصحة بعنوان "أزمة القطاع الصحي الفلسطيني: كارثة تهدد حياة آلاف المرضى تحت وطأة الحصار المالي" أعدته "وفا"، هذا نصه:

أمام نافذة صيدلية مجمع فلسطين الطبي في مدينة رام الله، تقف الشابة سلام (25 عاما) لتحصل على دواء نيابة عن والدتها المصابة بمرض السرطان وتخضع لعلاج كيماوي، تأمل بأن تسمع ردا مختلفا عن جملة "غير متوفر" التي باتت تملأ الأجواء.

تقول سلام: "من حسن الحظ أن الجرعة الكيماوية الأساسية كانت متوفرة هذه المرة"، وشكرت الله وهي تمضي بخيبة اعتادت عليها، بعد أن تداعى أملها في صرف الأدوية المساندة للبروتوكول العلاجي الخاص بوالدتها، والمفقودة من صيدلية وزارة الصحة ومستودعاتها منذ أشهر، ما يضطر العائلة لشرائها على نفقتها الخاصة.

وبإحباط مماثل، يغادر علي (47 عاما) من جوار النافذة ذاتها، بعد أن عجزت رفوف الصيدلية شبه الخاوية عن تلبية حاجته لدواء مخصص لمرض عصبي، يمنع دخوله في نوبات تشنج حادة تسقطه أرضا.

يحتاج علي شهريا إلى نحو 100 حبة دواء، وفي زياراته الأخيرة للمجمع لم يجد سوى ثلث الكمية المطلوبة، ولصنف واحد فقط من أصل عقارين رئيسيين. ورغم أن حالته تحرز تقدما ملموسا في العلاج، إلا أن طبيبته حذرته من أن التوقف عن تناول العقارين سيؤدي حتما إلى انتكاسة تعيده إلى نقطة الصفر، ليبقى خياره الوحيد الشراء على نفقته الخاصة، في ظل انعدام الدواء وبدائله.

ولم يكن حال سيدة تبلغ من العمر (28 عاما) بأفضل؛ فمن بين خمسة أدوية ضرورية لأمراض الدم دونتها وصفتها الطبية، لم يُصرف لها سوى صنف واحد.

وتشير السيدة، التي فضلت عدم ذكر اسمها، إلى أنها بدأت تلمس شح الأدوية وتراجع مخزونها على أرفف الصيدلية تدريجيا منذ مدة طويلة، إلا أن الأزمة تعمقت بشكل حاد خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، لتجد نفسها مجبرة على شراء أدويتها المتبقية من مالها الخاص.

أرقام صادمة:

لا يمثل نقص الأدوية سوى قمة جبل الجليد في الأزمة الصحية التي كشفت عنها وزارة الصحة، يوم الخميس 4 حزيران/ يونيو الجاري، في بيان دق ناقوس الخطر وحذر من أن حياة آلاف المرضى باتت مهددة.

وقالت الوزارة إن حياة أكثر من 4 آلاف مريض سرطان أصبحت على المحك، وينطبق الأمر ذاته على آلاف مرضى غسيل الكلى، في ظل تراجع غير مسبوق في المخزون الاستراتيجي من الأدوية والمواد المخبرية.

وأوضحت أن أكثر من ثلث الأصناف المدرجة على قائمة الأدوية الأساسية نفد بالكامل، فيما تراجع مخزون مئات الأصناف الأخرى إلى ما دون حد الطلب الطارئ.

وتوفر وزارة الصحة 520 صنفا دوائيا أساسيا، إلا أن نحو 180 صنفا منها سجلت رصيدا صفريا بفعل الأزمة المالية والحصار المالي، وفي قطاع الأورام تبدو الصورة أكثر خطورة، إذ إن 50 صنفا من أصل 97 دواء مخصصا لعلاج مرضى السرطان أصبحت غير متوفرة.

وفي الوقت نفسه، تشهد المستودعات المركزية للوزارة نقصا حادا في المستهلكات الطبية التخصصية، من بينها فلاتر غسيل الكلى التي تشكل ضرورة أساسية لاستمرار العلاج، وغيابها يعني الموت البطيء للمرضى.

كما تعاني المستشفيات من شح في الخيوط الجراحية، لا سيما الأنواع الدقيقة المستخدمة في العمليات الحساسة، مثل جراحات القلب، إضافة إلى نقص في مستلزمات القسطرة القلبية، بما يشمل القسطرات والدعامات، الأمر الذي أدى إلى تأجيل بعض الإجراءات التدخلية.

وتشير بيانات مستودعات المواد المخبرية إلى اتساع الفجوة بين التوريد والاستهلاك، حيث نفد 79 صنفا من المواد المخبرية بشكل كامل، إلى جانب 265 صنفا من المستهلكات الطبية التخصصية التي سجلت رصيدا صفريا.

وامتد تأثير الأزمة إلى غرف العمليات، نتيجة النقص في المستهلكات الطبية إلى جانب إضراب الأطباء، فبعد أن أجرت المستشفيات نحو 65 ألف عملية جراحية كبرى وصغرى خلال عام 2025، لم يتجاوز عدد العمليات المنفذة منذ بداية عام 2026 وحتى الأول من حزيران/ يونيو الجاري 19.5 ألف عملية، فيما جرى تأجيل أكثر من 11 ألف عملية مبرمجة.

احتجاز أموال المقاصة.. جذر الأزمة المالية وخانق الاقتصاد

أكد مدير مركز الاتصال الحكومي، محمد أبو الرب، أن القطاع الصحي يتصدر بنود الإنفاق في الموازنة العامة، إلا أن الحكومة تواجه أزمة مالية خانقة تحد من قدرتها على تلبية الاحتياجات المتزايدة، مشيرا إلى أن السبب الرئيس لهذه الأزمة يتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي باحتجاز أموال المقاصة الفلسطينية.

وأوضح أن حجم الأموال المحتجزة تجاوز 5 مليارات دولار، وهي أموال تشكل نحو 68% من إجمالي الموارد المالية الفلسطينية.

وأضاف أن احتجاز هذه الأموال انعكس بشكل مباشر على قدرة الحكومة على إدارة الشأن العام وتقديم الخدمات الأساسية، إذ اضطرت إلى العمل بموارد محدودة لا تتجاوز 10% فقط من الموارد المتاحة، في وقت زادت فيه الأزمة الاقتصادية وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي من الضغوط على الإيرادات الداخلية.

موازنة الطوارئ.. جهود حكومية لحماية الفئات الضعيفة

لمواجهة تداعيات الأزمة المالية الراهنة، قال مدير مركز الاتصال الحكومي، إن الحكومة تبنت موازنة طوارئ لعام 2026 بهدف إعادة توجيه التدفقات النقدية نحو القطاعات الأكثر حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم.

وأضاف أن الحكومة استمرت في تحويل الحالات المرضية المنقذة للحياة إلى مستشفيات القطاع الخاص، موضحا أن هذه التحويلات تكلف الخزينة سنويا ما يزيد على مليار شيقل (نحو 300 مليون دولار)، كما عملت على توفير دفعات إسعافية لشركات الأدوية والمستشفيات الخاصة، إلى جانب السعي لتجنيد دعم مالي من الجهات المانحة.

وبين أبو الرب أن الأزمة في القطاع الصحي تعمقت خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع التراجع الاقتصادي العام وازدياد الضغط على المرافق الحكومية، لافتا إلى أن أكثر من مليون ونصف المليون مواطن يستفيدون من التأمين الصحي الحكومي، فيما دفعت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أعدادا متزايدة من المواطنين إلى الاعتماد على خدمات القطاع العام بدلا من العيادات والمستشفيات الخاصة.

وأوضح أن الحكومة منحت عشرات الآلاف من بطاقات التأمين الصحي المجانية للفئات الأكثر فقرا وللعمال الذين فقدوا مصادر دخلهم مؤخرا، الأمر الذي زاد الضغط على المرافق الصحية الحكومية في وقت شهدت فيه الموارد المالية تراجعا غير مسبوق.

وفي ظل مديونية مستحقة تبلغ 3.8 مليار شيقل، ناشدت وزارة الصحة الجهات المانحة توفير أدوية منقذة للحياة بقيمة 50 مليون دولار بشكل عاجل، إضافة إلى 50 مليون دولار أخرى لتأمين أدوية أساسية بالغة الأهمية، ودعت إلى توفير 60 مليون شيقل شهريا لتغطية رواتب موظفيها لضمان استمرارية الخدمات الصحية.

تحذيرات من انهيار القطاع الصحي الخاص

ألقت الأزمة المالية بظلالها الثقيلة على العلاقة التكاملية بين وزارة الصحة والقطاع الطبي الخاص والأهلي، الذي يضم نحو 48% من أسرّة المستشفيات في الضفة الغربية، في وقت بلغت فيه المديونية المستحقة لهذا القطاع على الحكومة 2.7 مليار شيقل، فيما وصلت مديونية اتحاد موردي الأدوية والمستلزمات الطبية إلى مليار و350 مليون شيقل.

ووصف المدير التنفيذي لاتحاد موردي الأدوية والمستلزمات الطبية، مهند حبش، الأزمة بأنها "مرعبة جدا"، مشيرا إلى أن مديونية الحكومة للشركات العاملة في القطاع لم تبلغ هذا المستوى من قبل.

وأضاف أن انعدام السيولة المالية أجبر الشركات على تقليص حجم التوريد، موضحا أنها لم تعد قادرة على تمويل مشترياتها من الخارج، وأن حجم المديونية تجاوز في بعض الحالات رأس مال الشركات بأضعاف.

وأكد أن اتحاد موردي الأدوية اتفق مع الجهات الرسمية على إعطاء الأولوية للأدوية المنقذة للحياة وعدم وقف تزويد مخازن وزارة الصحة بها، كأدوية السرطان ومستلزمات غسيل الكلى والعمليات الجراحية، إلا أن استمرار الأزمة بات يهدد حتى هذه الإمدادات.

من جانبه، أكد رئيس اتحاد المستشفيات الخاصة والأهلية في الضفة الغربية، يوسف التكروري، أن المستشفيات لم تعد قادرة على استقبال المرضى المحولين من القطاع الحكومي، نتيجة عجزها عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه موظفيها وكوادرها الطبية.

وأوضح أن المستشفى الأهلي في الخليل أبلغ وزارة الصحة بقراره وقف استقبال المرضى المحولين اعتبارا من السادس من حزيران/ يونيو 2026، وذلك بعد نحو عام من قرار الجمعية العربية في بيت لحم وقف استقبال مرضى وزارة الصحة.

وأضاف أن مستشفى النجاح أفاد بعدم قدرته على استقبال حالات جديدة لعلاج الأورام لعدم توفر الأدوية في مخازنه، فيما تعطل جهاز القسطرة في مستشفى الميزان بمدينة الخليل منذ شهرين.

وأشار التكروري إلى أن المستشفيات الأهلية والخاصة البالغ عددها 18 مستشفى تواجه أيضا ضغطا متزايدا نتيجة تحويل أعداد أكبر من المرضى إليها، في ظل تقليص الدوام والإضرابات المرتبطة بالأزمة المالية في القطاع الحكومي، الأمر الذي استنزف قدراتها التشغيلية وفاقم التحديات التي تواجهها في ظل محدودية الموارد والإمكانات.

تخوف من نسف مساعي توطين الخدمة الطبية و"أسرلة" الدواء:

لا يقتصر تأثير الأزمة المالية على تراجع حجم وجودة الخدمات الطبية فحسب، بل يهدد ايضا بتقويض سنوات طويلة من مساعي وجهود توطين الخدمة الطبية الفلسطينية.

وقال المدير التنفيذي لاتحاد موردي الأدوية والمستلزمات الطبية، إن القطاع الصحي الخاص شرع منذ عام 2019، بتنفيذ توسعة غير مسبوقة شملت استحداث أقسام جديدة واستقطاب كفاءات طبية ومهنية، بهدف الاستغناء التدريجي عن التحويلات الطبية الى المستشفيات الإسرائيلية.

وأضاف أن القطاع الصحي الخاص وفي ظل التعقيدات التي تلت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتوقف التحويلات إلى المستشفيات داخل اراضي الـ48، يجد نفسه محاصرا بمديونية تمنعه من تقديم خدمات علاجية استعد وعمل جاهدا على توفيرها خلال السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الخطر الحالي للأزمة المالية تجاوز قدرة المستشفيات على أداء رسالتها؛ بل امتد لشركات توريد الأدوية، التي بات بعضها مهددا بالإفلاس مع نهاية العام الجاري.

وحذر من أن استمرار هذا الواقع، قد يفتح الطريق أمام سيناريو شديد الخطورة يتمثل في سحب وكالات أدوية عالمية من شركات فلسطينية متعثرة، وتحويلها لصالح شركات إسرائيلية، بما يوسع نفوذها داخل السوق الفلسطينية ويعزز سيطرتها على توريد الأدوية.