مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، يجد رب الأسرة الفلسطيني نفسه أمام التزام اجتماعي راسخ يحتم عليه زيارة الأرحام وتقديم "العيدية" النقدية.
غير أن هذا الواجب المرتبط بالفرح وصلة الرحم، يصطدم بواقع مالي معقد يتسم بتآكل المداخيل، واستمرار أزمة الرواتب، وتصاعد موجات الغلاء.
وتحولت العيدية في ظل الظروف النتردية إلى بند مالي ثقيل في دفتر حسابات العائلة، يدفع الكثيرين لإعادة ترتيب أولوياتهم الاجتماعية والمالية.
إذا أردنا وضع الأمور في سياقها الرقمي البسيط، فإن الموظف الحكومي الذي يتقاضى راتبا منقوصا أو غير منتظم أو حتى الموظف في القطاع الخاص الذي تآكل راتبه، يحتاج إلى ميزانية طوارئ لتغطية هذا البند وحده.
يمتلك رب الأسرة في المتوسط عددا من الأخوات والعمات والخالات، وإذا افترضنا أن الحد الأدنى المقبول اجتماعيا للعيدية هو 50 شيكلا، فإن زيارة عدد محدود من الأرحام ستكلفه مبلغا يتجاوز 600 شيكل، ناهيك عن عيديات الأطفال المتفرقة ما بين 5 إلى 10 شواكل لكل طفل، وهم كثر، إذ لا يخلو بيت تدخله في العيج من طفل، لا بد من تقديم العيدية له.
هذا الرقم، عند إضافته إلى مصاريف ضيافة العيد وملابس الأطفال، يبتلع الجزء الأكبر من السيولة النقدية المتوفرة لديه. المشكلة تتضاعف عند إدراك أن هذه المصاريف تُقتطع من راتب غير مكتمل أساسا، ما يترك الموظف أو العامل مكشوفا ماليا وعاجزا عن تلبية التزاماته الأساسية لبقية أيام الشهر.
أمام هذا الضغط المالي، تتغير الديناميكيات الاجتماعية بشكل ملحوظ. تشير المشاهدات اليومية إلى أن الكثير من الأسر باتت تكتفي بزيارة الدائرة الأولى من الأرحام كالأمهات والأخوات، وتتجنب الاتساع في الزيارات لتشمل الخالات والعمات أو بنات العمومة، في محاولة صامتة لتجنب الحرج المالي والموازنة بين الواجب وتوفر النقد.
وإلى جانب تقليص دوائر الزيارة، يلجأ البعض إلى استبدال النقد بهدايا عينية كأطباق الحلوى أو سلال الضيافة، كونها تبدو لائقة اجتماعيا وتكلفتها الإجمالية أقل قسوة من توزيع المبالغ النقدية المتفرقة، في حين يضطر آخرون لخفض قيمة العيدية النقدية ذاتها للتكيف مع الميزانية المتاحة، حتى وإن تراجعت قيمتها الفعلية في السوق بسبب التضخم.
بعيدا عن البعد الاجتماعي المباشر، تحمل العيدية تأثيرا اقتصاديا حيويا للأسواق المحلية. في المواسم الطبيعية، تشكل أموال العيدية سيولة نقدية فورية تضخ في جيوب النساء والأطفال، الذين يوجهونها لاحقا نحو الاستهلاك في الأيام التي تلي العيد، سواء بشراء الملابس أو الألعاب أو الإنفاق في قطاع الترفيه والمطاعم.
غياب أو تراجع حجم هذه التحويلات النقدية الصغيرة هذا العام يعني سحب ملايين الشواكل من الدورة الاقتصادية الطبيعية. هذا الانكماش في الإنفاق العائلي يعمق من حالة الركود التجاري، ويجعل قطاعات واسعة من صغار التجار وأصحاب المحال تدفع ثمن هذه الأزمة، حيث تختفي الحركة التجارية التي كانت تعتمد بشكل أساسي على أموال ما بعد العيد.
