يدخل موسم العودة إلى المدارس هذا العام على الأسر الفلسطينية في توقيت مالي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه ثلاثة ضغوط معيشية دفعة واحدة: استمرار صرف رواتب الموظفين العموميين بنسب منقوصة، ارتفاع كلفة النقل والمحروقات، وتبدل أسعار السلع الأساسية، بما يجعل التحضير للعام الدراسي عبئاً إضافياً لا يقتصر على شراء حقيبة وقرطاسية.
فبالنسبة لآلاف الأسر، تتجاوز العودة إلى المدارس كونها بنداً موسمياً عابراً في ميزانية البيت، إلى اختباراً لقدرة الدخل الشهري على تغطية مصاريف متراكمة: زي مدرسي، حقائب، دفاتر، قرطاسية، أحذية، مواصلات، أقساط أو مساهمات مدرسية، إضافة إلى المصاريف اليومية التي ترافق دوام الطلبة.
ويأتي هذا الموسم في ظل إعلان وزير المالية والتخطيط، د. سطيفان سلامة، أن الحكومة لن تتمكن من صرف أكثر من 50% من رواتب الموظفين حتى نهاية العام الحالي، في ظل الأزمة المالية واستمرار احتجاز أموال المقاصة. وقال سلامة إن الحكومة تحتاج إلى نحو 650 مليون شيكل شهرياً لصرف نصف الرواتب، مؤكداً أن هذا هو السقف الممكن حالياً حتى نهاية العام.
هذا التصريح يضع الأسر التي تعتمد على راتب حكومي أمام معادلة صعبة: نصف راتب يجب أن يغطي شهراً كاملاً، فيما تأتي العودة إلى المدارس كمصروف استثنائي فوق المصاريف الثابتة من طعام وكهرباء ومياه واتصالات ومواصلات وديون والتزامات بنكية أو شيكات.
ولا تقتصر الأزمة على الموظفين العموميين وحدهم؛ إذ إن انتظام الرواتب في القطاع العام ينعكس على حركة السوق عموماً. فعندما يتراجع دخل شريحة واسعة من المستهلكين، تتأثر محال القرطاسية والملابس والأحذية والمكتبات ووسائل النقل والمطاعم الصغيرة حول المدارس، لأن الأسر تعيد ترتيب أولوياتها وتؤجل بعض المشتريات أو تبحث عن بدائل أقل كلفة.
وفي العادة، تبدأ الأسر بشراء مستلزمات المدرسة تدريجياً قبل بداية العام الدراسي، لكن نصف الراتب يدفع كثيرين إلى تقليص السلة التعليمية: حقيبة واحدة بدلاً من اثنتين، استخدام ملابس العام الماضي إن أمكن، شراء القرطاسية على دفعات، أو الاعتماد على تبادل الكتب والملابس بين الإخوة والأقارب. وفي بعض البيوت، يصبح السؤال ليس ماذا يحتاج الطالب، إلى ماذا يمكن للأسرة أن تؤمن الآن وماذا يمكن تأجيله.
ويزيد الضغط أن موسم المدارس يتزامن مع ارتفاع كلفة الحركة اليومية. فارتفاع أسعار المحروقات، وخصوصاً السولار، لا يبقى محصوراً في محطات الوقود، فانعكاسه على النقل العمومي، والمواصلات المدرسية، ونقل البضائع من المخازن إلى المحال. وهذا يعني أن جزءاً من كلفة العودة إلى المدارس لا يظهر فقط في سعر الحقيبة أو الدفتر، إنما في أجرة الطريق إلى المدرسة، وكلفة توصيل الطلبة، وأسعار السلع التي تعتمد على النقل.
أما على مستوى الأسعار، فتظهر الأرقام الرسمية صورة معقدة. فقد أعلن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني انخفاض الرقم القياسي لأسعار المستهلك في فلسطين بنسبة 1.60% خلال حزيران 2026 مقارنة مع أيار، نتيجة تراجع أسعار عدد من السلع، وكان السبب الرئيسي هو انخفاض أسعار تلك السلع في قطاع غزة. لكن المؤشر في الضفة الغربية سجل ارتفاعاً بنسبة 2.08% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة المناظرة من العام السابق، بينما ارتفع في القدس J1 بنسبة 2.95%، وهو ما يفسر الفجوة بين الأرقام العامة وإحساس الأسر في الضفة بارتفاع الكلفة اليومية. (PCBS)
بكلمات أبسط، قد يقول المؤشر العام إن الأسعار انخفضت، لكن الأسرة التي تشتري للمدارس في الضفة لا تتعامل مع رقم وطني مجرد، إنما مع سلة محددة: قرطاسية، ملابس، أحذية، مواصلات، طعام يومي، وربما قسط مدرسة أو روضة. وهذه السلة قد تتحرك بعكس المؤشر العام، خصوصاً عندما تضغط المحروقات والنقل على الكلفة النهائية.
وتكمن خطورة العودة إلى المدارس هذا العام في أنها تأتي بعد أشهر طويلة من تآكل القدرة الشرائية. فالموظف الذي يتقاضى نصف راتب لا يواجه نقصاً مؤقتاً في شهر واحد، فهناك تراكم متأخرات والتزامات مؤجلة. ومع كل موسم جديد، سواء رمضان أو العيد أو المدارس، تضيق مساحة المناورة داخل ميزانية الأسرة.
وفي السوق، تعني هذه الحالة انتقال الطلب من الشراء الكامل إلى الشراء الانتقائي. الأسر تبحث عن الأرخص، تؤجل الكماليات، وتفاوض على الدفعات، بينما تحاول المحال الحفاظ على مبيعاتها في ظل تراجع السيولة. وهذا يجعل موسم العودة إلى المدارس مؤشراً اقتصادياً بحد ذاته: إذا كان الناس يشترون أقل، فهذا يعني أن الضغط لم يعد محصوراً في الرواتب، إنما انتقل إلى دورة الاستهلاك اليومية.
ولا تبدو المدارس الخاصة بعيدة عن هذه الحلقة. فالأهالي يطلبون تسهيلات في الدفع أو تقسيطاً أطول، بينما تواجه المدارس التزاماتها من رواتب معلمين وإيجارات وتشغيل ومواصلات. أما المدارس الحكومية، فعلى الرغم من أنها لا تفرض أقساطاً، فإن الطالب يحتاج إلى كلفة محيطة بالتعليم لا تتحملها المدرسة: ملابس، حقيبة، قرطاسية، مواصلات، ومصروف يومي.
في المحصلة، لا تبدأ العودة إلى المدارس هذا العام من الصفوف، إنما من ميزانية البيت. فبين نصف الراتب وارتفاع كلفة النقل وتآكل القدرة الشرائية، تتحول حقيبة الطالب إلى مرآة أوسع للأزمة الاقتصادية الفلسطينية.
والسؤال لم يعد فقط كم تكلف العودة إلى المدارس، إلى كيف يمكن للأسرة أن توازن بين تعليم أبنائها وباقي احتياجاتها الأساسية، في ظل واقع مالي قد يستمر حتى نهاية العام، وربما أكثر من ذلك.
