هروباً من موت إلى موت: عمالٌ يبحثون عن الضوء من ثقب "شاحنة نفايات"

إعلان صريح عن وصول اليأس إلى منتهاه، هذا ما تكشفة حادثة ضبط العمال الليلة الماضية؛ أن يختار ثمانية وستون إنسانا الاختباء في جوف "شاحنة نفايات"، بين مخلفات المدن وروائح التعفن، يكشف مدى صعوبة الواقع الذي يعيشه هؤلاء الباحثين عن لقمة العيش. 

منذ السابع من أكتوبر 2023، وتحت وطأة الإغلاق الشامل، تحولت لقمة العيش في الضفة الغربية من استحقاق طبيعي إلى معركة بقاء مستحيلة. مئات الآلاف من العمال الذين كانوا يغذون عائلاتهم من عرق جبينهم في الداخل الفلسطيني، وجدوا أنفسهم فجأة أمام أبواب موصدة، ليس فقط بالحديد والأسمنت، بل بقرار سياسي يحكم على مئات الآلاف من الأفواه بالجوع القسري.

المفارقة المريرة هنا تكمن في وسيلة النقل؛ "ضاغطة النفايات". هذه الآلة المصممة لسحق الأشياء وتحويلها إلى ركام، أصبحت هي "المخبأ" الوحيد المتاح. وكأن لسان حال هؤلاء العمال يقول: لقد سحقتنا الظروف الاقتصادية بالفعل، ولم يعد ضغط الحديد في هذه الشاحنة أشد إيلاما من ضغط الحاجة والمهانة.

تكدس الأجساد فوق بعضها البعض في حيز ضيق يفتقر للأكسجين، تجسيد مادي لسياسة "الخنق" التي يتعرض لها الاقتصاد الفلسطيني. فمنذ توقف دخول العمال، دخلت آلاف الأسر في نفق مظلم من الفقر المدقع، وتحولت القرى والمدن إلى سجون كبيرة يسكنها عمال يملكون المهارة والقدرة، لكنهم محرومون من حق الكدح.

وبينما ينشغل البيان الرسمي الصادر عن الشرطة الإسرائيلية بالحديث عن "رخص القيادة" و"المعابر"، يغفل الحقيقة الأكثر فجاجة: ما الذي يدفع أبا لترك كرامته عند باب الشاحنة والدخول إلى حاوية نفايات؟

الجواب لا يحتاج لبيانات، بل لضمير يدرك أن الحرمان من العمل هو نوع من "الموت البطيء". هؤلاء الرجال الذين خرجوا يلهثون من جوف الشاحنة، لم يكونوا يبحثون عن مغامرة، إنما عن ثمن ربطة خبز، وعن حقهم في ألا يروا الانكسار في عيون أبنائهم.

هذه الواقعة  صرخة مدوية في وجه نظام اقتصادي ومعيشي منهار. ودليل على أن الجدران والأسلاك الشائكة، مهما علت، لا يمكنها أن تمنع إنسانا جائعا من المحاولة، حتى لو كان الثمن هو المخاطرة بالاختناق في قلب شاحنة نفايات.

خروج 68 عاملاً من جوف شاحنة نفايات إعلان إفلاس لكل السياسات التي لم تستطع توفير "بديل كريم" للعامل الفلسطيني. السؤال الأهم: إلى متى سيظل الخيار الوحيد المتاح أمام العامل هو المفاضلة بين الموت جوعاً في منزله، أو الموت اختناقاً في طريق بحثه عن لقمة العيش؟