في مساء ثقيل جديد يُضاف إلى سجل الألم الفلسطيني، قُتلت ثلاث فلسطينيات وأصيبت 13 أخريات في بلدة بيت عوا جنوب الخليل، نتيجة سقوط شظايا صاروخ إيراني كان من المفترض أن يستهدف أهدافا عسكرية، ليصبح هذا الحدث ليس مجرد حادث عابر، بل جرس إنذار صارخ يكشف واقعا خطيرا يعيشه الفلسطيني ويتكرر وهي: صواريخ يُفترض أنها جزء من معادلة الصراع، باتت تحصد أرواح الفلسطينيين أنفسهم.
ولم يكن المشهد في بيت عوا استثنائيا بقدر ما كان مؤلما ومعبرا، فهناك منازل مدنية، ونساء داخل بيوتهن، وأحياء بعيدة عن أي موقع عسكري، ومع ذلك، وصلت الشظايا، واخترقت الجدران، وحملت معها الموت والإصابات، ليتأكد الجميع بأن هذا ليس "خطأ عرضيا" يمكن تجاوزه، بل نتيجة مباشرة لنهج يقوم على إطلاق صواريخ دون قدرة حقيقية على التحكم بمسارها أو نتائجها.
وتكرر المشهد في القدس، بطريقة لا تقل خطورة، حيث سقطت شظايا صاروخية في عدة مناطق، أبرزها في حي المسيح بالقرب من كنيسة القبر المقدس، أحد أقدس المواقع الدينية في العالم، ليصبح الحديث ليس فقط عن أضرار مادية، بل عن تهديد مباشر لنسيج ديني وحضاري حساس، وعن رسائل فوضى لا تفرّق بين مقدسات أو أحياء سكنية.
الواقع الذي يتشكل اليوم أصبح واضحا وصادما، فهذه الصواريخ لا تميز بين فلسطيني وإسرائيلي، ولا بين مسلم ومسيحي، ولا حتى بين هدف عسكري وبيت مدني، لكنها، في كثير من الأحيان، تصيب الفلسطينيين أنفسهم، سواء في الضفة الغربية أو حتى داخل أراضي الـ48، حيث سُجلت إصابات بين فلسطينيين نتيجة سقوط صواريخ في مناطق داخل إسرائيل نفسها.
ووفقا للفلسطينيين أنفسهم، فإن المفارقة القاسية تكمن في أن الأدوات التي كان من المفترض أنها جزء من المواجهة، تتحول إلى عبء إضافي عليهم رغم أنه يقال إنها تدافع عنه، فالحديث عن أضرار جانبية لم يعد مقنعا، حين يتكرر سقوط الضحايا من المدنيين الفلسطينيين، وحين تتكرر الحوادث في أكثر من منطقة، فإننا أمام نمط واضح، لا يمكن تبريره أو تجاهله، وهي أن الصواريخ الايرانية التي تُطلق بشكل عشوائي أو دون دقة كافية، لا تشكل فقط خطرا على الطرف الآخر، بل تعود بنتائج عكسية على الفلسطينيين أنفسهم.
والأخطر من ذلك، أن هذا الواقع يخلق حالة من القلق والخوف داخل المجتمع الفلسطيني، فالمواطن الذي يعيش تحت ضغط الاحتلال، يجد نفسه أيضا مهددا بشظايا قد تسقط في أي لحظة، دون سابق إنذار، ودون أن يكون له أي علاقة بما يجري، ليصبح السؤال الأهم هو: ما جدوى هذه الصواريخ إذا كانت نتائجها بهذا الشكل؟
إذا كانت النتيجة هي مقتل فلسطينيات في بيوتهن، وإصابة أخريات، وإلحاق أضرار بمناطق سكنية ودينية، فإننا أمام خلل عميق في الحسابات، بل يمكن القول إن هذا النهج، بدل أن يعزز أي موقف، يضاعف من معاناة الفلسطينيين، ويضعهم في دائرة خطر إضافية.
وبحسب محللين فلسطينيين، فإن اللافت هو أن بعض هذه الصواريخ، حين تسقط داخل إسرائيل، تُصيب فلسطينيين من الداخل، ما يعكس مرة أخرى طبيعتها العشوائية، ويؤكد أنها لا تحمل أي قدرة على التمييز بين من يفترض أنهم "هدف" ومن هم في الواقع ضحايا.
ويؤكد المحللون أن استمرار ايران في هذا المسار، دون مراجعة حقيقية، يعني ببساطة القبول باستمرار سقوط الضحايا الفلسطينيين نتيجة "نيران غير محسوبة"، موضحين أن هذا أمر لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، ولا يمكن السكوت عنه، خصوصا وأن الفلسطيني اليوم يواجه واقعا معقدا وخطيرا: احتلال من جهة، ومخاطر عشوائية من جهة أخرى، ليبقى المدني هو الحلقة الأضعف، وهو من يدفع الثمن الأكبر.
الحقيقة، أن أي سلاح لا يحمي الفلسطيني، بل يعرضه للخطر، يجب أن يُعاد النظر فيه فورا، فدم الفلسطيني ليس تفصيلا، وليس رقما يمكن تجاوزه… بل هو القضية نفسها إن كانت ايران أصلا ترى الشعب الفلسطيني بعينها.
