مع بداية شهر رمضان المبارك، تنفّس تجار القدس والضفة الغربية الصعداء، حيث بدأت الأسواق تنتعش ويعود زخمها من جديد، ويتوافد المصلون إلى المسجد الأقصى، وموائد الإفطار قد امتلأت، وحركة الشراء عادت تدريجيا وبقوة بعد شهور من الركود والكساد، غير أن التصعيد الأخير مع ايران وما تبعه من إغلاقات مشددة بسبب الصواريخ والتوترات الأمنية، عاد المشهد إلى نقطة الصفر من جديد.
ويشتكي التجار في البلدة القديمة بالقدس، ومحال رام الله، ونابلس، والخليل، من تراجع حاد في الحركة التجارية، فيقول أحد تجار الملابس: "استوردنا بضاعة العيد على أمل موسم قوي هذا العام… اليوم الناس لا تخرج، ولا أحد يسأل عن ملابس العيد، كيف سنتصرف بهذه البضاعة لا نعرف؟"
كما أن العديد من المحلات التي كانت قد بدأت تستعيد عافيتها مع ليالي التراويح والقيام في الاقصى، عادت لتغلق أبوابها مبكرا، أو تبقى مفتوحة دون جدوى، فالحركة التي كانت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، تحولت إلى ساعات صامتة، بلا ازدحام ولا أصوات.
تجار القدس تحديداً كانوا قد عولوا على رمضان هذا العام ليعوضوا جزءا من خسائرهم المتراكمة خلال السنوات الماضية، فوجود آلاف المصلين في الأقصى كان يعني حركة مباشرة في المطاعم، محلات الحلويات، الهدايا، وملابس العيد وجميع المحلات، لكن مع الإغلاقات ومنع الوصول، غاب المصلون، وغابت معهم السيولة التي كانت تنعش الأسواق.
ويصف أحد التجار في البلدة القديمة المشهد بقوله: "رمضان كان بداية انفراجة… اليوم عدنا للنكسة من جديد".
والحقيقة أن الخسارة ليست فقط في انخفاض المبيعات، بل في حالة الإرباك وعدم اليقين، فهناك تجار اقترضوا لشراء البضائع، التزموا بدفع إيجارات ورواتب، وانتظروا موسم العيد كفرصة أخيرة لتدارك الخسائر، لكن اليوم، السؤال يتكرر في معظم الأسواق: إذا استمر الإغلاق والتوتر… ماذا سنفعل بكل هذه البضاعة؟
ووفقا لخبراء اقتصاديون، فإن كل موجة صواريخ أو توتر أمني لا تبقى في إطارها العسكري فقط، بل تمتد آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية، خصوصا أن الأسواق تخلو، القدرة الشرائية تتراجع، والمواطن يقدم الأولويات الأساسية على الكماليات، حتى لو كانت ملابس العيد.
ويؤكد الاقتصاديون أن شهر رمضان هذا العام بدأ بآمال انتعاش اقتصادي في القدس والضفة، لكنه تحوّل تدريجيا إلى موسم قلق وخسارة للتجار، الذين يجدون أنفسهم مرة أخرى بين مطرقة التصعيد وسندان الالتزامات المالية.
ولا تأتي شكاوى تجار القدس والضفة الغربية من فراغ، بل تتقاطع مع مؤشرات رسمية تؤكد هشاشة الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة.
ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، سجل الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية انكماشا ملحوظا في عدة فترات نتيجة الصدمات الاقتصادية والسياسية، حيث تشير التقديرات إلى انخفاض يقارب 13% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2023 مثلا، كما أظهرت البيانات تراجعاً في الأنشطة الاقتصادية، لا سيما في قطاعات البناء والخدمات والصناعة، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بحركة الأسواق وفرص العمل.
ورغم تسجيل تحسن طفيف في بعض الفترات مقارنة بعام 2024، إلا أن الاقتصاد الفلسطيني عموماً لا يزال أدنى بكثير من مستويات ما قبل موجات التصعيد والإغلاقات المتكررة.
وتشير تقديرات الإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل البطالة في الضفة الغربية تجاوز في بعض الفترات 35%، فيما أكدت تقارير صادرة عن منظمة العمل الدولية أن البطالة ارتفعت إلى أكثر من 30% في ظل استمرار الصراع والتوترات، كما تُظهر البيانات انخفاض حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس تراجعاً في الدخل الحقيقي مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتوضح هذه المؤشرات أن كل موجة تصعيد أو إغلاق تنعكس مباشرة على النشاط التجاري، وتراجع قطاعات البناء والخدمات يعني فقدان آلاف الأسر لمصادر دخلها.
كما أن البطالة المرتفعة تضعف القدرة الشرائية، ما يؤدي إلى انخفاض الطلب على السلع، بما فيها ملابس العيد والمنتجات الموسمية، وبالتالي، فإن ما يعيشه تجار القدس والضفة اليوم ليس أزمة موسمية عابرة، بل امتداد لضغط اقتصادي متراكم تضاعفه الإغلاقات والتوترات الأمنية.
ويبقى السؤال الملح اليوم، هو: هل تبقى الأسواق رهينة التوترات، أم تحمل الأيام القادمة انفراجة تعيد الحياة إلى شوارع القدس والضفة قبل حلول العيد؟
