زينات عويضة قصة التحدي و الصمود امام خمس محققين اسرائيلين

CVxFaObWUAADXan

رام الله الإخباري

موقع رام الله الاخباري - عندما تقضي بعض الوقت مع الفلسطينية زينات عويضة (62 عاماً) لا بدّ أن تلفتك خفة دمها و سعة روحها. وقد اشتهر لها في ساحة الفيسبوك الفلسطينية فيديو قصير تظهر فيه هذه الخفة. سُجِّل الفيديو وهي في المسجد الأقصى بعد أن دخلته دون أن ينتبه لها أفراد شرطة الاحتلال، وهي تقول: “أنا مش مبعدة عن الأقصى.. أنا مش متذكرة”، في محاولة ساخرة من الاحتلال، واستعارة من جملة الفتى الأسير أحمد مناصرة المشهورة في تحقيق الاحتلال معه.

اعتقلت زينات عويضة المعروفة بـ”أم إيهاب الجلاد”، وهي أم لشابين وشابة، يوم الثلاثاء الثامن من كانون الأول الجاري وذلك من أمام مركز “القشلة” للتحقيق التابع لشرطة الاحتلال. أفرج عنها بعد 3 أيام، يوم الجمعة الحادي عشر من ذات الشهر، وعلى أعتاب المسجد الأقصى بالقرب من باب حطة، دون الاقتراب منه، كما فرضت عليها شرطة الاحتلال، كان لقاؤنا معها.

تروي زينات بأنها كانت تقف أمام مركز “القشلة” تنتظر معرفة مصير السيدة منتهى أبو سنينة، التي اقتادتها شرطة الاحتلال للتحقيق معها عندما حاولت دخول المسجد الأقصى. كانت ابو سنينة متوجهة لصلاة الظهر وقد حملت صدفةً في حقيبتها حاسوباً متنقلاً يعود لابنتها. لم تكن تعلم منتهى بأن شرطة الاحتلال تدقق في دخول الحواسيب وآلات التصوير إلى المسجد، كما تشرح زينات.

كعادتها عندما تعتقل إحدى النساء أو الفتيات من محيط المسجد الأقصى تُسارع زينات إلى مساندتها معنويّاً بمحاولة رفع معنويات الأهل، والانتظار أمام أبواب المحاكم ومراكز التحقيق للاطمئنان على المعتقلة، ولهذا يسميها الكثيرون “الأم الحنون”.

وبينما هي تنتظر الافراج عن منتهى، ولتمضية الوقت وضعت عيناها في شاشة هاتفها النّقال، “فجأة وجدت قدمي ضابط تقف على الأرض أمامي وقال لي: “أنا الضابط طلال، أعطيني هويتك ، أنت موقوفة”، تقول زينات، وعندما سألته عن السّبب قال لها، “أنت رئيسة المرابطات”.

صمود في التّحقيق

تصف زينات جلسات التحقيق التي مرّت بها على مدار ثلاثة أيام قائلة، إن خمسة محققين مختلفين حققوا معها، أحدهم قال لها، “لقد قطعت إجازتي خصيصاً من أجلك”. وكعادة التحقيقات الإسرائيلية، تقول زينات إن المحققين كانوا يعيدون نفس الأسئلة بصيغ وطرق مختلفة في محاولة لإرباكها وإجبارها على تغيير أقوالها والضغط عليها.

وكان المحققون يسألون زينات عن ما وصفّوه “مسؤوليتها عن المرابطات ودعمهم ماديّاً”، وهي التهم التي نفتها زينات بشكل تام، وقد كانت شرطة الاحتلال تذكر في جلسات المحاكمة بأن تهمة زينات هي “تقديم مساعدة لتنظيم محظور”، دون أن تقبل التوضيح ما هو هذا “التنظيم المحظور”.

تعلق زينات، “كنت أرفض كل ادعاءات المحققين، وعندما يسألونني عن تفاصيل، أرفض الحديث وأقول لهم: “سأتحدث في المحكمة”، مما أثار غضب أحد المحققين منها فصرخ فيها: “لماذا تكرهينني؟”. في تلك اللحظة لم تغب خفة الدم عن زينات فقالت له: “بدك اسمي؟ بحكي في المحكمة”. وعندما أخبروها بتمديد اعتقالها ونقلها من القدس إلى سجن الرملة قالت: “يلا خليني أغيّر جوّ، بشم الهوا”.

وقضت زينات أغلب الوقت في أيام اعتقالها متنقلة في البوسطات وسيارات النقل والمحاكم، إذ كانت تخرج عند الخامسة فجراً من معتقل الرملة لتجلب للتحقيق في مركز القشلة أو للمحكمة في محكمة الصّلح أو المحكمة المركزية. وكان هذا يعني أنها كانت مقيدة اليدين والقدمين أغلب الوقت، مما يزيد من انهاكها ويؤثر على صحتها. “كنت سعيدة عندما مددوا اعتقالي 48 ساعة، قلت في نفسي على الأقل ارتاح قليلاً في غرفة الاعتقال بدون وجود قيود على يدي وقدميّ”.

إلا أن الـ48 ساعة لم تقضيها زينات في سجن الرملة، فبعد تمديد اعتقالها قدم محاموها استئنافاً لدى المحكمة المركزية لرفض هذا التمديد، فانتقلت بها البوسطة إلى المحكمة.

ورفضت المحكمة المركزية يوم الخميس العاشر من كانون الأول الاستئناف بادعاء أن الشّرطة لم تنهِ تحقيقاتها وأن الافراج عن زينات قد يؤدي إلى تشويش التحقيق.

وفي اليوم التالي، أي الجمعة الـ11 من كانون الأول، بعد انتهاء مدة التمدير، أفرجت شرطة الاحتلال عن زينات بشرط الحبس المنزلي لمدة خمس أيام، والابتعاد عن أبواب المسجد الأقصى 15 يوماً، وكفالة ألفين شيكل، وبشرط امتثالها للتحقيق في يوم الأحد التّالي.

 صمود زينات في التحقيق لم يتوقف عند وعيها بألاعيب المحققين وطرقهم، لكنها كذلك رفضت التوقيع على أي ورقة، ولم توقع على أي محضر للتحقيق، كما كانت ترفض البدء بأي جلسة تحقيق قبل مقابلة المحامي.

وعن يوم الافراج عنها تقول، “قالوا لي وقعي على هذه الورقة سوف يفرج عنك”، فرفضت وقلت لهم بأنني لا أوقع على أي ورقة، وبدأوا بالصراخ علي، ومحاولة اقناعي بالتوقيع”. وبعد أن أصرت زينات على رفض التوقيع، لأنها لا تعرف بالأساس ما المكتوب في الورقة، أخبرتها شرطة الاحتلال بأن زوجها وابنها ينتظرانها في الخارج وأنهما وقعا على الشروط المذكورة مقابل الافراج عنها. وفيما بعد أخبرها المحامي بأن عليها التوقيع. تقول زينات، “لو لم يوقع زوجي وابني لما كنت وقعت على أي ورقة لدى الاحتلال، لأنني أرفض هذه الشّروط”.

تضحك زينات وهي تستذكر سؤال أحد المحققين لها عن مدى “الاهتمام” بها في سجن الرملة، حيث أخبرته أنهم لم يعطوها الأدوية اللازمة لها في أول يوم، ثم أعطوها بعض الأدوية في اليوم الثاني. فردّ عليها المحقق مُهدداً، “لكن في أبو كبير هناك عيادة جيدة جداً، يهتمون جيداً هناك”. وذلك في إشارة إلى معهد أبو كبير للطب العدلي التابع للاحتلال والذي تحتجز فيه جثامين الشهداء.

ليست زينات التي تنطلي عليها هذه التهديدات، فردّت له ذلك بالقول إن أمّها توفت بجلطة أصابتها، وأنها معرضة لذات الأمر. قلت له، “ممكن انجلط عندكم وأموت وتتحملوا مسؤوليتي وتلاحقكم المؤسسات الحقوقية”.

الاهتمام الشّعبي

 وكما كانت تقف زينات للنساء الفلسطينيات المعتقلات وتساندهن، وجدت على مدار الأيام الثلاثة، في جلسة المحكمة الأولى، وفي جلسة الاستئناف، وفي يوم الافراج عنها دعماً واهتماماً ومساندة من جانب الرجال والنساء. فعدا عن انتشار صورها ووصف “الأم الحنون” على صفحات الفيسبوك، فإن العشرات وقفوا حاملين لافتات وصورأ لها مرددين الهتافات أمام المحاكم. حتى أن أحد المحققين سألها عن سبب هذا التواجد النشط حول المحكمة دعماً لها، فقالت: “بحبوني، أنا أمهم”.

ولقد كان لهذا التواجد الأثر الطيب في تجربة زينات، تقول، “عندما رأيت صديقاتي وأخواتي في كل محكمة ارتفعت معنوياتي كثيراً، نسيت كل التّعب والوجع الذي توجعته من قيود أو برد أو قلة طعام، أو قلة نوم، شعرت أن كل هذا التعب لاشيء”.

ولم تشعر زينات بأيام الحبس المنزلي الخمسة، إذ امتلأت أوقاتها بالزيارات لتهنئتها بالسّلامة وبالاتصالات الهاتفية. وتظهر هذه المودة الكبيرة والاحترام لزينات من خلال حديثنا المتقطع معها، إذ كانت الكثيرات يأتين للسّلام عليها والاطمنئان عليها بالقرب من المسجد الأقصى.

يذكر أن زينات ممنوعة من دخول المسجد الأقصى منذ ما يزيد عن 3 شهور، ضمن ما يعرف بـ “القائمة الذهبية”، أو ما يسميها الاحتلال “القائمة السوداء”، وهي قائمة من حوالي 40 اسماً لفتاة وسيدة فلسطينية ممنوعات منذ أيلول الماضي من دخول الأقصى بدون قرار رسمي من شرطة الاحتلال.

وشددت شرطة الاحتلال الخناق على معلمات المسجد الأقصى مؤخراً، فقد سلّمت معلمة التّجويد هنادي الحلواني قراراً بمنع السّفر لمدة شهر تنتهي بـ 12 كانون الثاني 2016، عدا عن أمر إداري سابق بالابعاد عن المسجد الأقصى لمدة 6 شهور ينتهي في شهر آذار المقبل.

كما سلمت شرطة الاحتلال يوم الخميس الماضي المعلمة خديجة خويص قراراً بمنع السفر حتى 12 كانون الثاني المقبل، بالإضافة إلى إبعاد عن البلدة القديمة للقدس وغربي القدس مدة ستة أشهر، علما أن خديجة من السيدات الممنوعات من دخول الأقصى ضمن “القائمة السوداء”.

عن : شبكة القدس