في تصريحات لافتة تعكس تحولًا في توجهات السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، أعلن السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس دونالد ترمب إلى سوريا والعراق، توم براك، أن الولايات المتحدة تعيد النظر في دورها التقليدي بوصفها ضامنًا للأمن الإقليمي، داعيًا دول الخليج والشرق الأوسط إلى تحمل مسؤوليات أكبر في حماية أمنها وإدارة أزماتها، ومقرًا بفشل التدخلات العسكرية الأمريكية ومحاولات تغيير الأنظمة في المنطقة.
وجاءت تصريحات براك خلال مشاركته في منتدى الأمن العالمي، الذي عُقد في العاصمة القطرية الدوحة، الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حيث تناول مستقبل الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، والحرب مع إيران، والتصعيد العسكري في اليمن، والتطورات في سوريا.
واشنطن تعيد تموضعها.. ولم تعد تريد السيطرة
وأوضح براك أن الولايات المتحدة، التي اضطلعت بدور الضامن الأمني الدولي طوال نحو ثمانية عقود، تتجه إلى إعادة صياغة علاقاتها وتحالفاتها، مؤكدًا أن هذا التحول لا يعني التخلي عن حلفائها أو الانسحاب من المنطقة، وإنما الانتقال من سياسة السيطرة والتدخل المباشر إلى دعم الدول الإقليمية وتمكينها من إدارة شؤونها الأمنية.
وأشار إلى أن دول المنطقة بدأت تدرك أنها لم تعد تستطيع الاعتماد على واشنطن لحل جميع مشكلاتها، وأن المرحلة المقبلة تتطلب بناء ترتيبات وتحالفات أمنية إقليمية أكثر استقلالية.
اعتراف بفشل 23 محاولة لتغيير الأنظمة
وفي انتقاد واضح للسياسات الأمريكية السابقة، قال براك إن الولايات المتحدة شاركت، وفق تقديره، في 23 محاولة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط ومناطق مجاورة، معتبرًا أن هذه التدخلات لم تحقق النتائج المرجوة.
واستعرض تجارب التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا، واصفًا التجربة العراقية بأنها كارثية، ومؤكدًا أن محاولات فرض التغيير السياسي والعسكري من الخارج أثبتت فشلها.
وشدد على أن السيطرة العسكرية على الدول وتغيير حكوماتها لا يؤديان بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار، بل قد يتسببان في أزمات أكثر تعقيدًا تمتد آثارها إلى المنطقة والعالم.
لا حرب برية أمريكية ضد الحوثيين
وفي الملف اليمني، أكد براك أن إدارة ترمب تدعم السعودية، وستواصل تقديم المساندة اللوجستية التي تحتاج إليها، لكنه استبعد انخراط القوات الأمريكية في عمليات قتالية برية ضد جماعة الحوثي، معتبرًا أن مثل هذا التدخل لن يحقق نتائج مجدية.
وأوضح أن العمليات العسكرية المباشرة لم تنجح سابقًا في معالجة الأزمات الإقليمية، وأن مواجهة الجماعات المسلحة لا يمكن أن تعتمد على القوة وحدها.
ودعا إلى إعطاء الأولوية للمفاوضات السياسية بمشاركة السعودية والحوثيين ووسطاء إقليميين، معتبرًا أن الحوار والتسويات الدبلوماسية يمثلان بديلًا أفضل من استمرار المواجهات العسكرية.
إيران.. لا لفرض تغيير النظام من الخارج
وفيما يتعلق بإيران، أكد براك أن واشنطن تفضل التوصل إلى اتفاق سياسي ينهي المواجهة العسكرية، مشيرًا إلى أن انعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام المفاوضات.
وأشاد بجهود الوساطة التي تبذلها قطر وسلطنة عُمان وباكستان وسويسرا، موضحًا أن أي تسوية ينبغي أن تتضمن وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغوط الاقتصادية والإنسانية على الإيرانيين.
وشدد على أن مستقبل إيران السياسي يجب أن يقرره الشعب الإيراني بنفسه، وليس من خلال فرض تغيير للنظام بإرادة خارجية.
وعند سؤاله عما إذا كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران خطأً، قال إنه لا يستطيع الجزم بذلك، لكنه أقر بأن الحرب أدت إلى تداعيات خطيرة وغير مقصودة طالت المنطقة بأكملها.
الشرق الأوسط أشبه بمكعب روبيك
ووصف براك الشرق الأوسط بأنه منطقة شديدة التعقيد، تشبه مكعب روبيك، حيث تتداخل المصالح السياسية والدينية والاقتصادية والقبلية والجغرافية، بحيث يمكن لأي تحرك في إحدى الدول أن يترك تداعيات واسعة على بقية المنطقة.
وأكد أن الولايات المتحدة لا تمتلك حلولًا جاهزة لجميع أزمات الشرق الأوسط، وأن معالجة الصراعات المتجذرة تتطلب الصبر والحوار والانخراط السياسي المستمر، بدلًا من الاعتماد على التدخلات العسكرية أو فرض الحلول بالقوة.
سوريا والتحركات العسكرية الإسرائيلية
وفي الشأن السوري، اعتبر براك أن التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 أظهرت إمكانية إدماج قوى كانت تعمل خارج مؤسسات الدولة ضمن العملية السياسية والمؤسسات الرسمية.
وأشاد بجهود الرئيس السوري أحمد الشرع في إدارة المرحلة الانتقالية، رغم التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجه البلاد.
كما دعا إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، مشيرًا إلى حساسية الوضع الأمني على الحدود، وضرورة العمل على خفض التصعيد ومنع اتساع المواجهات.
وفي ما يتعلق بالتوتر بين إسرائيل وتركيا، رأى براك أن تحول التوترات القائمة إلى مواجهة عسكرية مباشرة ليس مرجحًا في تقديره، مؤكدًا أهمية الحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد.
مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية
وتشير تصريحات براك إلى توجه أمريكي نحو تقليص الاعتماد على التدخل العسكري المباشر، وتشجيع دول المنطقة على بناء تفاهمات أمنية وسياسية فيما بينها، مع استمرار واشنطن في تقديم الدعم لحلفائها دون تولي المسؤولية المباشرة عن إدارة جميع الأزمات.
ويأتي هذا التوجه في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار الحرب مع إيران، والاشتباكات بين السعودية والحوثيين، والمخاوف المتزايدة بشأن أمن مضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
