بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة، يواجه اقتصاد قطاع غزة واحدة من أعمق أزماته في تاريخه الحديث، بعدما طالت الخسائر مختلف مقومات النشاط الاقتصادي، من المنشآت ورأس المال والإنتاج، إلى التجارة وسوق العمل ومصادر الدخل.
وتكشف أحدث التقديرات حجم الكلفة الاقتصادية، إذ بلغت الأضرار المادية نحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية 22.7 مليار دولار، فيما تصل احتياجات إعادة الإعمار والتعافي إلى نحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، في وقت انكمش فيه اقتصاد غزة بنحو 84% وبلغت البطالة نحو 78% خلال عام 2025.
ويقول مدير عام غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، الخبير والمحلل الاقتصادي تيسير الطباع، إن التحدي لم يعد يقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما يتمثل في إعادة بناء الاقتصاد نفسه، واستعادة قدرته على الإنتاج والتشغيل وتوليد الدخل.
وفق التقييم النهائي السريع للأضرار والاحتياجات في غزة، الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل/نيسان 2026، بلغت الأضرار المادية نحو 35.2 مليار دولار، فيما قدرت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار.
وتشير التقديرات إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار تصل إلى نحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها نحو 26 مليار دولار خلال الأشهر الـ18 الأولى، لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية ودعم التعافي الاقتصادي.
لكن حجم التمويل وحده، بحسب الطباع، لا يكفي لإعادة بناء اقتصاد غزة، إذ إن التحدي الأساسي يتمثل في توفير البيئة التي تسمح بتحويل أموال الإعمار إلى استثمارات ومشاريع إنتاجية وفرص عمل، وليس فقط إلى إعادة بناء المباني والبنية التحتية.
84% انكماش الاقتصاد.. وارتفاع الناتج لا يعني التعافي
ويشير إلى أن اقتصاد غزة انكمش بنحو 84% مقارنة بمستوياته قبل الحرب، وهو ما يعكس حجم الضربة التي تعرضت لها مختلف القطاعات الاقتصادية.
وعلى الرغم من ارتفاع الناتج المحلي الحقيقي في غزة خلال عام 2025 بأكثر من 30% وفق البنك الدولي، فإن هذا الارتفاع لا يعني عودة الاقتصاد إلى مسار التعافي الطبيعي، إذ جاء بدرجة كبيرة نتيجة انخفاض قاعدة المقارنة بعد الانكماش التاريخي الذي بلغ نحو 83% خلال عام 2024.
وبمعنى آخر، فإن الاقتصاد قد يسجل نمواً مرتفعاً حسابياً بعد انهيار حاد، من دون أن يكون قد استعاد حتى جزءاً كبيراً من قدرته الإنتاجية السابقة.
ويقول الطباع، إن معظم القطاعات الإنتاجية لا تزال تعمل بصورة محدودة للغاية، بينما يتركز النشاط المتبقي في بعض الأنشطة التجارية والخدمية، في ظل نقص المواد الخام والطاقة وقطع الغيار وضعف الطلب المحلي.
78% البطالة.. الاقتصاد يفقد مصادر دخله
بلغت البطالة في قطاع غزة نحو 78% خلال عام 2025 وفق بيانات البنك الدولي، في واحدة من أبرز مؤشرات الانهيار الاقتصادي.
ويؤكد الطباع، أن ارتفاع البطالة لا يعني فقط فقدان ملايين الأسر لدخلها، وإنما يضرب الدورة الاقتصادية من أكثر من اتجاه؛ ففقدان الوظائف يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك، وتراجع الطلب على السلع والخدمات، وانخفاض مبيعات المنشآت، ثم مزيد من إغلاق الأعمال وفقدان الوظائف.
وبالتالي، فإن إعادة تشغيل سوق العمل تمثل جزءاً أساسياً من عملية التعافي، لأن الاقتصاد لا يمكن أن يستعيد نشاطه من دون استعادة مصادر الدخل والقدرة الشرائية.
القطاع الخاص.. خسائر في رأس المال والإنتاج
يُعد القطاع الخاص من أكثر القطاعات تضرراً، بعدما تعرضت المنشآت التجارية والصناعية والزراعية والخدمية لأضرار واسعة، إلى جانب فقدان المعدات والآلات والمخزون ووسائل النقل.
ولا تقتصر المشكلة على المنشآت التي دمرت بشكل مباشر، إذ تواجه منشآت أخرى بقيت قائمة صعوبة كبيرة في العودة إلى العمل، نتيجة نقص الطاقة والمواد الخام وقطع الغيار والسيولة، إضافة إلى ضعف الطلب المحلي.
ويشير إلى أن رأس المال الخاص الذي كان يشكل جزءاً أساسياً من القدرة الإنتاجية للقطاع تعرض لخسائر كبيرة، ما يجعل إعادة تشغيل المنشآت القائمة وتعويض رأس المال المدمر أولوية اقتصادية، وليس مجرد ملف تعويضي.
200 صنف بدلاً من 10 آلاف.. التجارة لا تعني التعافي
تشكل حركة السلع والمعابر أحد أبرز المؤشرات على صعوبة عودة الاقتصاد إلى طبيعته.
وبحسب المعطيات المتاحة، يُسمح بدخول نحو 200 صنف من السلع إلى قطاع غزة، مقارنة بأكثر من 10 آلاف صنف كانت تدخل القطاع قبل الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويقول الطباع، إن غالبية السلع التي تدخل حالياً تتركز في السلع الاستهلاكية، بينما ما يحتاجه الاقتصاد فعلياً للعودة إلى الإنتاج يشمل المواد الخام، والآلات، وقطع الغيار، ومستلزمات المصانع والمزارع، ومعدات البناء وإعادة الإعمار.
ويضيف أن استمرار التركيز على السلع الاستهلاكية فقط يعني استمرار الاقتصاد في نمط الاستهلاك بدلاً من الانتقال إلى الإنتاج.
73 ألف شاحنة مقابل أكثر من 200 ألف مفترضة
وبحسب البيانات التي أوردها، دخل إلى قطاع غزة نحو 73 ألف شاحنة، من بينها قرابة 36 ألف شاحنة مساعدات، من أصل أكثر من 200 ألف شاحنة كان يفترض دخولها وفقاً لاتفاق إنهاء الحرب، بما يمثل نحو 30% من العدد المفترض.
ويقول إن هذه الفجوة لا تؤثر فقط على توافر السلع في الأسواق، وإنما تضغط أيضاً على تكاليف النقل والتخزين والتجارة، وتحد من قدرة القطاع الخاص على التخطيط والاستيراد وإعادة بناء المخزون.
كما أن حصر توريد البضائع بنحو 13 تاجراً فلسطينياً، مقارنة بأكثر من ألفي تاجر ومستورد كانوا يدخلون البضائع إلى قطاع غزة قبل الحرب، يمثل تغييراً كبيراً في آلية عمل السوق.
ويؤكد أن الاقتصاد المستدام يحتاج إلى سوق مفتوحة نسبياً أمام عدد واسع من التجار والمستوردين، مع توفر المنافسة وتنوع الموردين، وليس الاعتماد على قنوات محدودة للتوريد.
470.6% مؤشر الأسعار.. والسلع ترتفع حتى 5000%
كانت الأسعار واحدة من أكثر القنوات التي انتقلت من خلالها الأزمة إلى الأسر والمنشآت.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في قطاع غزة بنسبة 237.98% خلال عام 2024، ثم بنسبة 21.93% خلال عام 2025، ليصل مؤشر الأسعار في غزة إلى 470.62% في عام 2025، مقارنة بـ114.20% في عام 2023.
كما شهدت بعض السلع ارتفاعات استثنائية، خصوصاً الهواتف الذكية والبطاريات ومستلزمات الطاقة الشمسية والزيوت المعدنية وقطع الغيار، وصلت في بعض الحالات إلى 500% وحتى 5000%.
ويرى الطباع، أن المشكلة لا تكمن في ارتفاع الأسعار وحده، بل في تزامنها مع انخفاض الدخول وارتفاع البطالة، ما يعني أن القوة الشرائية للمواطن تراجعت بشكل أكبر من مجرد ارتفاع الرقم الاسمي للأسعار.
فالأسرة التي فقدت مصدر دخلها أو انخفض دخلها بشكل كبير، تواجه في الوقت نفسه أسعاراً أعلى، وهو ما ينعكس على حجم الاستهلاك والطلب المحلي.
30 شيكلاً للكيلو.. الطاقة تضرب الإنتاج
لا يمكن لأي اقتصاد أن يعمل من دون طاقة مستقرة وبأسعار يمكن للمنشآت تحملها.
ويشير إلى أن سعر كيلو الكهرباء ارتفع من نحو 0.5 شيكل من شركة توزيع الكهرباء و4 شواكل من مولدات الشوارع إلى نحو 30 شيكلاً للكيلوواط، ما شكل عبئاً كبيراً على المواطنين والمنشآت.
ويؤكد أن ارتفاع تكلفة الطاقة لا ينعكس على فاتورة الكهرباء فقط، وإنما يدخل في تكلفة كل سلعة وخدمة؛ فالمصنع يحتاج إلى الكهرباء لتشغيل الآلات، والمحل يحتاجها للتبريد والإضاءة، والخدمات الصحية والمائية تحتاجها لتشغيل المعدات.
كما أشارت الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 إلى أن نقص زيت المحركات وقطع الغيار يؤثر على خدمات المياه والصرف الصحي والصحة وإدارة النفايات، مع بقاء كميات من زيت المحركات بانتظار الموافقات اللازمة للدخول.
السيولة.. أزمة أخرى داخل الاقتصاد
إلى جانب نقص السلع والطاقة، تواجه غزة أزمة في السيولة النقدية، الأمر الذي يصعب على المواطنين والتجار إجراء المعاملات اليومية ويمثل عائقاً إضافياً أمام دوران الأموال داخل الاقتصاد.
ويرى الطباع، أن التوسع في الدفع الإلكتروني والمحافظ الإلكترونية يمكن أن يخفف جزءاً من المشكلة، ويساعد على استمرار التعاملات التجارية، خصوصاً في ظل محدودية النقد المتداول.
لكن هذه الأدوات، بحسب رأيه، لا يمكن أن تكون بديلاً عن عودة النشاط الاقتصادي الحقيقي، لأن الاقتصاد يحتاج في النهاية إلى إنتاج وسلع وخدمات ودخول وفرص عمل.
26 مليار دولار في أول 18 شهراً.. أين يبدأ التعافي؟
تقدر الاحتياجات بنحو 26 مليار دولار خلال أول 18 شهراً من عملية التعافي وإعادة الإعمار.
ويرى أن توجيه هذه الأموال يجب ألا يقتصر على إعادة بناء المباني والبنية التحتية، بل يجب تخصيص جزء واضح لإعادة تشغيل الاقتصاد نفسه.
ويشمل ذلك إعادة تشغيل المصانع، ودعم المزارعين، وإعادة فتح المحلات والمنشآت التجارية، وإصلاح المعدات والآلات، وإعادة بناء سلاسل التوريد، وتوفير التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإعادة خلق فرص العمل.
ويشدد على أن كل دولار يُضخ في الاقتصاد يجب أن يساهم، قدر الإمكان، في خلق قيمة اقتصادية مستدامة، وليس فقط في تمويل الإنفاق الاستهلاكي المؤقت.
القطاع الخاص.. من متلقٍ للمساعدات إلى شريك في الإعمار
يؤكد أن القطاع الخاص يجب ألا يكون مجرد متلقٍ للمساعدات والتعويضات، وإنما شريكاً أساسياً في عملية إعادة الإعمار.
فالقطاع الخاص، وفق رؤيته، يمتلك المعرفة بالأسواق واحتياجات المستهلكين وسلاسل التوريد، كما يمثل أحد أهم مصادر فرص العمل والدخل.
ومن هنا تبرز أهمية إشراك الغرف التجارية والصناعية ومؤسسات القطاع الخاص في تحديد أولويات إعادة الإعمار، ووضع خطط التعافي، وتحديد القطاعات القابلة لإعادة التشغيل سريعاً، ومتابعة تنفيذ المشاريع.
كما يجب أن تتضمن عملية التعافي آليات واضحة لتعويض المنشآت المتضررة، وتوفير تمويل ميسر، وضمان وصول التمويل إلى أصحاب المشاريع القادرين على إعادة تشغيل أعمالهم.
إعادة الإعمار ليست إسمنتاً فقط
يقول الطباع، إن الخطأ الأكبر في التعامل مع ملف إعادة إعمار غزة هو اختزاله في إعادة بناء المنازل والمنشآت المدمرة.
ويضيف أن إعادة الإعمار الاقتصادية تعني إعادة بناء القدرة على الإنتاج، وهي تشمل المصانع والمزارع والمحال التجارية ووسائل النقل والطاقة والتمويل والأسواق والعمالة وسلاسل التوريد.
فإذا أعيد بناء مصنع من دون توفير المواد الخام والطاقة والسوق، فلن يعود المصنع إلى الإنتاج بصورة مستدامة، وإذا أعيد بناء متجر من دون قدرة شرائية لدى المواطنين، فلن يتمكن من الاستمرار.
لذلك، فإن إعادة بناء الاقتصاد يجب أن تسير بالتوازي مع إعادة بناء البنية التحتية.
من اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد الإنتاج
بعد ثلاث سنوات من الحرب، يواجه اقتصاد غزة تحدياً يتجاوز حجم الدمار المادي، ويتمثل في كيفية الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على المساعدات إلى اقتصاد قادر على الإنتاج وتوليد الدخل وفرص العمل.
ويؤكد الطباع، أن المساعدات الإنسانية ستبقى ضرورية ما دامت الاحتياجات الإنسانية قائمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإنتاج والاستثمار والتجارة.
ويحتاج الاقتصاد إلى بيئة تسمح بعودة القطاع الخاص، وتدفق السلع ومستلزمات الإنتاج، وإعادة تشغيل المصانع والمنشآت، وعودة العمال إلى أعمالهم، واستعادة القدرة الشرائية للأسر.
71.4 مليار دولار.. هل تكفي لإعادة بناء الاقتصاد؟
مع احتياجات تقدر بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، فإن السؤال الاقتصادي لا يتعلق فقط بتوفير التمويل، وإنما بكيفية استخدامه.
فالاستثمار في إعادة الإعمار يجب أن يتحول إلى استثمار في الاقتصاد، بحيث لا تكون النتيجة مجرد إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما خلق قاعدة إنتاجية أكثر قدرة على توفير فرص العمل والدخل والنمو.
ويؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية اقتصادية متكاملة تربط بين إعادة الإعمار والاستثمار والتشغيل والإنتاج، وتضع القطاع الخاص في قلب العملية.
غزة تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها
بعد ثلاث سنوات من الحرب، تظهر الأرقام أن الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة لم تعد مجرد نتيجة جانبية للدمار، بل أصبحت أزمة قائمة بذاتها، تمتد من الإنتاج إلى التجارة، ومن سوق العمل إلى الأسعار، ومن الطاقة والسيولة إلى القدرة الشرائية.
35.2 مليار دولار أضرار، 22.7 مليار دولار خسائر اقتصادية واجتماعية، 71.4 مليار دولار احتياجات إعادة إعمار، 84% انكماش اقتصادي، و78% بطالة؛ أرقام تعكس حجم الفجوة التي تفصل اقتصاد غزة عن التعافي.
ويختم مدير عام غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة تيسير الطباع، بالقول إن المطلوب هو الانتقال من مرحلة البقاء على قيد الحياة إلى مرحلة التعافي، ومن الاعتماد على المساعدات إلى استعادة الإنتاج، ومن إعادة بناء ما دمرته الحرب إلى بناء اقتصاد قادر على الصمود والاستمرار.
ويضيف: "غزة لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء ما هدمته الحرب، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها، وفرص العمل، ومصادر الدخل، ومستقبل أجيالها. ويبقى السؤال الأهم: متى تبدأ عملية إعادة الإعمار الحقيقية والجدية لقطاع غزة؟"
