مع انطلاق موسم الزيتون، تتصاعد هجمات المستوطنين على المزارعين في الضفة الغربية المحتلة، بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، في ظل اعتداءات تستهدف قاطفي الزيتون، وتمنعهم من الوصول إلى أراضيهم وقطف محاصيلهم، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاعتداءات وحرمان المزارعين من مصدر رزقهم.
وهذا العام، يِواجه المزارعون أوضاعًا أكثر صعوبة، مع استمرار اعتداءات المستوطنين وتقييد وصولهم إلى أراضيهم، إلى جانب استهداف أشجار الزيتون وثمارها، بما يُهدد بفقدان كميات أكبر من المحصول مقارنة بالأعوام السابقة، ويُفاقم الأعباء الاقتصادية التي يُواجهها المزارعون وعائلاتهم.
وتتنوع الهجمات بين ملاحقة قاطفي الزيتون وإجبارهم على مغادرة أراضيهم، والاعتداء عليهم بالضرب، إلى جانب قطع أشجار الزيتون وإحراقها، وسرقة المحاصيل، ما يلحق أضرارًا مباشرة بالمزارعين وموسمهم الزراعي.
ويُعد موسم الزيتون من أهم المواسم الزراعية ومصادر الدخل لدى المزارعين الفلسطينيين، كما يمثل صلة مباشرة بالأرض في مناطق تتعرض فيها الحقول لضغوط متواصلة، فضلًا عن كونه رمزًا للصمود والتراث الوطني.
تصعيد ممنهج
الناشط ضد الاستيطان عايد غفري يقول إن التصعيد الاستيطاني ضد المزارعين وقاطفي الزبتون في الضفة الغربية ليس وليد الأمس، وإنما يأتي ضمن تصعيد ممنهج، يشهد هذا العام تصاعدًا غير مسبوق مع انطلاق موسم الزيتون.
ويوضح غفري، في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن المستوطنين يسعون هذا العام، في إطار الدعاية الانتخابية، إلى توسيع الاستيطان في الضفة وفرض سيطرة كاملة عليها.
ويلفت إلى أن الاعتداءات شملت عدة قرى، ووصلت إلى حد تشكيل "عصابات خطرة"، كما حدث أمس في بلدة كوبر شمال غربي رام الله، لمجرد توجه المزارعين إلى أراضيهم، إضافة إلى استهداف المزارعين اليوم في بلدة أوصرين وفي بيتا ومناطق أخرى جنوب نابلس، مع بدء قطف ثمار الزيتون.
ويضيف أن هذه الأحداث تأتي ضمن ما وصفها بسياسة "كسر العظام" للمزارع الفلسطيني، بهدف بث الرعب في نفوس المزارعين في المناطق الأخرى والسيطرة على الأرض.
وتهدف هذه الاعتداءات إلى فرض واقع جديد على المواطن الفلسطيني، بحيث تصبح مناطق "ج" ومناطق التماس أمرًا مسلّمًا به. وفق غفري
ويشير إلى وجود محاولات وحشد من المزارعين بشكل عام للتوجه إلى أراضيهم وجني محصول هذا العام والتصدي لاعتداءات المستوطنين، التي طالت أشجار الزيتون وثمارها، فضلًا عن الاعتداء على مزارعين بالضرب المبرح وإصابة آخرين.
تأثير كبير
ويتحدث غفري حول تداعيات الاعتداءات على المزارعين وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، قائلًا إن المزارعين وعائلاتهم تأثروا بشكل كبير جراء هذا التصعيد الخطير.
ففي قرية أم صفا شمال غربي رام الله، التي تبلغ مساحتها نحو 4,500 دونم، لم يتمكن المزارعون من الوصول إلا إلى نحو 100 دونم منها، فيما يسيطر المستوطنون على نحو 4,000 دونم مزروعة بأشجار الزيتون، كانت تعيل نحو 150 عائلة.
ويبين كذلك أن بلدة المغير شمال شرقي رام الله، التي كانت تبلغ مساحتها نحو 43 ألف دونم، لم يتبقَّ منها اليوم سوى نحو 750 دونمًا، بعد سيطرة المستوطنين على مساحات واسعة منها، مشيرًا إلى أنه جرى قطع أكثر من 14 ألف شجرة زيتون، كانت تشكل مصدر دعم لنحو 3,500 مواطن داخل البلدة.
ويقول إن اعتماد القرى الفلسطينية بشكل عام يرتبط اقتصاديًا وتموينيًا بشجرة الزيتون وموسمها والأرض، مؤكدًا أن ما يجري يؤثر بشكل كبير على المواطنين، باعتبار أن الزيتون يشكل جزءًا مهمًا من السلة الغذائية الفلسطينية، سواء من الناحية التجارية أو في تغذية الأسر داخل المنازل.
ضرب الاقتصاد
ويؤكد الناشط ضد الاستيطان أن المواطن الفلسطيني يُواجه تهديدًا مباشرًا للقمة عيشه وحركة رزقه، في ظل منع أعداد كبيرة من المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وقطف الزيتون، فيما تشمل أوامر الإغلاق العسكري مساحات واسعة.
ووفق غفري، فإن البؤر الاستيطانية المنتشرة في الضفة الغربية تهدف إلى افتعال مشكلة مع أي مزارع فلسطيني، يعقبها فورًا إصدار قرار بإغلاق المنطقة عسكريًا.
ويتابع أن "هناك شراكة قائمة بين قائد المنطقة في جيش الاحتلال والحكومة الإسرائيلية والمستوطن ضمن خطة ممنهجة لمنع المواطن الفلسطيني من الوصول إلى أراضيه".
وبمجرد إعلان الاحتلال المنطقة عسكرية مغلقة، يصبح المزارع الفلسطيني ممنوعًا من الوصول إليها، في حين يبقى المستوطن موجودًا في الأرض ويقوم بسرقة الزيتون بمساعدة ومساندة جيش الاحتلال.
ويؤكد غفري أن كل هذه الظروف تستهدف ضرب الاقتصاد والمزارع الفلسطيني، ومحاصرة المناطق وفرض السيطرة على الأرض، إلى جانب تقديم صورة دعائية مفادها أن اليمين الإسرائيلي المتطرف حقق إنجازًا على الأرض وسيطر على الضفة الغربية.
ويتخوف المزارعون، مع بداية موسم الزيتون، من اندلاع مواجهات ووقوع حوادث دموية، كما حدث اليوم في بلدة أوصرين، إلى جانب تصاعد الهجمة الاستيطانية وإصرار حكومة الاحتلال على منع المزارعين، أينما وجدوا، من الوصول إلى أراضيهم.
أشكال متعددة
وخلال الأسابيع الأخيرة، وثقت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة مجموعة من الاعتداءات استهدفت الأشجار والأراضي والثمار.
واتخذت هذه الاعتداءات أشكالًا متعددة، تراوحت بين اقتلاع مئات أشجار الزيتون وتجريف الأراضي، وإصدار أوامر عسكرية تستهدف إزالة الأشجار والغطاء النباتي، وسرقة الثمار قبل اكتمال نضجها، وتكسير الأشجار، وإطلاق المواشي داخل الأراضي الزراعية.
ففي بلدة بيت ريما شمال غربي رام الله، اقتلعت جرافات الاحتلال نهاية أيلول/سبتمبر الماضي، أكثر من 400 شجرة زيتون، بعد تجريف نحو 31 دونمًا من أراضي المواطنين.
ولا تكمن خطورة هذه الاعتداءات في قيمة الثمار التي تتم سرقتها أو عدد الأشجار التي يتم اقتلاعها فحسب، بل إن شجرة الزيتون تمثل أصلًا زراعيًا طويل الأمد؛ واقتلاع شجرة مثمرة يعني فقدان إنتاج مستقبلي، وليس محصول موسم واحد فقط.
وتشير المنظمة إلى أن تكرار الاعتداءات يرفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية على الأسر الزراعية، لأنها تصبح مطالبة بتخصيص مزيد من الوقت والموارد لحماية أراضيها ومحاصيلها.
وتطالب بتوفير الحماية للمزارعين الفلسطينيين، وضمان وصولهم الآمن إلى أراضيهم، والحفاظ على ممتلكاتهم ومحاصيلهم، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الآليات القانونية المتاحة.
