مصانع السيارات الصينية تزحف إلى أوروبا وتنافس العمالقة في عقر دارهم

 لم تعد شركات السيارات الصينية تكتفي بغزو الأسواق العالمية بسيارات رخيصة ومتطورة تقنياً، بل بدأت تنقل مصانعها إلى الخارج، في خطوة قد تجعل منافسيها الأوروبيين يواجهون المنافسة الصينية في عقر دارهم. وبحسب تقرير نشرته مجلة "ذي إيكونوميست" (The Economist) الاثنين، فإن الصين، التي تنتج نحو ربع سيارات العالم، تشهد تحولاً لافتاً في استراتيجية شركاتها العملاقة، أساسها الانتقال من تصدير السيارات المصنّعة محلياً إلى بناء قدرات إنتاجية في الأسواق المستهدفة، على غرار ما فعلته شركات غربية قبل أكثر من قرن.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تشتد فيه المنافسة داخل السوق الصينية، المتوقع أن ينكمش بنحو 10% هذا العام. فقد أدت حرب الأسعار إلى تراجع حصة الشركات الأجنبية في السوق المحلية إلى نحو النصف خلال خمس سنوات، في حين قفزت صادرات السيارات الصينية سبعة أضعاف. وتتوقع شركة أليكس بارتنرز (AlixPartners) أن تصل صادرات الصين إلى 10 ملايين سيارة في 2026، بزيادة تتجاوز 40% عن العام الماضي، على أن تمثل العلامات الصينية نحو أربعة أخماس هذه الصادرات.

لكن تصدير السيارات ليس الحل الوحيد. فإنتاجها بالقرب من المستهلكين الأجانب يتيح للشركات الصينية خفض تكاليف الشحن، وتجنب الرسوم الجمركية، وفهم أذواق المستهلكين المحليين بصورة أفضل، فضلاً عن تسهيل الالتزام بالمعايير التنظيمية. كما أن الحكومات الأجنبية تقدم في كثير من الحالات حوافز وإعانات لجذب المصانع وفرص العمل. وبالفعل، بدأت شركات صينية تجميع السيارات أو التخطيط لإنتاجها في دول عدة، بينها إندونيسيا وكازاخستان وجنوب أفريقيا ومصر والبرازيل والمكسيك. لكن أوروبا تبدو الجائزة الكبرى في هذا التوسع.

ورغم الرسوم الجمركية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على السيارات الصينية في 2024، لم تتراجع شهية الشركات الصينية للسوق الأوروبية. فقد استحوذت هذه الشركات في الربع الثاني من العام الحالي على 11% من مبيعات السيارات في أوروبا الغربية، متجاوزة نظيراتها اليابانية، وفق بيانات شميدت (Schmidt Automotive Research).

وتستعد بروكسل، في المقابل، لفرض قيود جديدة. إذ يتضمن مشروع "قانون تسريع الصناعة" (Industrial Accelerator Act) الأوروبي ربط بعض إعانات شراء السيارات والحوافز الضريبية المخصصة لأساطيل الشركات بتحقيق نسب معينة من المحتوى المحلي، إلى جانب إجراءات أخرى تشجع التصنيع داخل أوروبا. وقد لا تدخل هذه القواعد حيز التنفيذ قبل عام أو أكثر، وربما يجري تخفيفها، لكنها دفعت شركات السيارات الصينية إلى تسريع خططها.

وتعد بي واي دي (BYD)، أكبر شركات السيارات الصينية، المثال الأبرز. فالشركة تقترب من افتتاح مصنع في المجر بطاقة قد تصل مستقبلاً إلى 300 ألف سيارة سنوياً. وفي الوقت نفسه، أوقفت مؤقتاً خطط مصنع آخر في تركيا كان مخصصاً لخدمة السوق الأوروبية، وبدأت البحث عن منشأة قائمة في إسبانيا أو فرنسا يمكن الاستحواذ عليها وإعادة تجهيزها.

والسبب بسيط ينطلق من بناء مصنع جديد يستغرق نحو ثلاث سنوات، بينما يتيح الاستحواذ على مصنع قائم وإعادة تأهيله دخول السوق بسرعة أكبر وبكلفة أقل. وتزداد فرص الحصول على هذه المنشآت مع إعادة هيكلة صناعة السيارات الأوروبية. ففي الثالث من سبتمبر/ أيلول، وافق مجلس الإشراف في فولكسفاغن (Volkswagen) على خطة لإعادة الهيكلة تتضمن إنهاء الإنتاج في أربعة مواقع بألمانيا.

وثمة خيار أسرع يقوم على استغلال الطاقة الإنتاجية غير المستخدمة في مصانع قائمة. وتقدر أليكس أن المصانع الأوروبية تمتلك طاقة فائضة تكفي لإنتاج نحو 2.5 مليون سيارة سنوياً. ومن هنا جاءت صفقة تشيري (Chery) في يونيو/حزيران مع نيسان (Nissan) لاستغلال جزء من مصنعها في سندرلاند ببريطانيا، وكذلك اتفاق يوليو/ تموز الذي يسمح لـ"جيلي" (Geely) بإنتاج السيارات الكهربائية في مصنع تابع لشركة فورد (Ford) في فالنسيا بإسبانيا.

وترى "ذي إيكونوميست" أن مثل هذه الاتفاقات قد تكون مجرد بداية. فهي تمنح الشركات الصينية طريقاً سريعاً إلى السوق، لكنها لا تمثل المرحلة النهائية. وتؤكد تقديرات غارتنر (Gartner) أن المرحلة التالية ستكون بناء قواعد إنتاج مستقلة. وقد أكدت سايك (SAIC) بالفعل وجود خطط لإنشاء مصنع جديد في إسبانيا، فيما تبحث إكس بينغ (Xpeng)، وفق التقرير، عن قاعدة إنتاج أوروبية دائمة.

وقد يأمل مديرو شركات السيارات الأوروبية في أن تتآكل ميزة الكلفة التي تتمتع بها منافساتهم الصينية، والتي تبلغ حالياً نحو 30%، بمجرد نقل الإنتاج إلى أوروبا. لكن هذا الرهان قد لا يصمد طويلاً. فالميزة الصينية لا تقوم فقط على انخفاض أجور العمال، بل على مزيج من الهياكل الإدارية الرشيقة، وعمليات التصنيع المبسطة، والتكامل الرأسي المرتفع، واقتصادات الحجم الكبيرة. ويشير فابيان براندت، من شركة أوليفر وايمان (Oliver Wyman)، إلى أن السيارات الصينية تضم عادة ما بين 1000 و2000 قطعة، في حين تتعامل الشركات الأوروبية مع سيارات قد تضم ما بين 3000 و10 آلاف قطعة.

كما قطعت الصين شوطاً متقدماً في تطوير ما يعرف بـ"السيارة المعرفة بالبرمجيات" (Software-defined vehicle)، التي تعتمد على حاسوب مركزي لإدارة وظائف السيارة، بدلاً من عشرات وحدات التحكم الإلكترونية المنفصلة المستخدمة على نطاق واسع لدى الشركات الغربية. وتمنح هذه المنظومة الشركات الصينية ميزة مزدوجة قوامها خفض الكلفة وتسريع تطوير السيارات. ففي حين تحتاج الشركات الأجنبية عادة إلى أربع سنوات على الأقل لتطوير طراز جديد، تستطيع الشركات الصينية إنجاز المهمة في نحو عامين، في ظاهرة باتت تعرف داخل القطاع باسم "سرعة الصين" (China speed).

والأهم أن جزءاً كبيراً من هذه الميزة سينتقل مع المصانع الصينية إلى الخارج. فالبحث والتطوير سيبقى متمركزاً في الصين، كما ستنقل الشركات أساليب التصنيع التي طورتها في السوق المحلية إلى مصانعها حول العالم. ومع ذلك، لن يكون الانتقال بلا كلفة. فبناء شبكات البيع وخدمات ما بعد البيع في نحو 30 سوقاً سيضيف أعباء مالية وتعقيدات تشغيلية. كما ستضطر الشركات الصينية، خصوصاً إذا شددت بروكسل قواعد المحتوى المحلي، إلى التعامل مع عدد أكبر من الموردين الأوروبيين، حتى لو نقل بعض مورديها الصينيين مصانعهم إلى أوروبا.

وتبقى تكاليف العمالة والطاقة تحدياً آخر. لكن الشركات الصينية تتمتع بميزة لا يملكها كثير من منافسيها الأوروبيين: حرية اختيار مواقع الإنتاج الأقل كلفة. فبدلاً من ألمانيا، يمكنها التوجه إلى المجر أو سلوفاكيا. ويرى بيردو باتشيكو (Pedro Pacheco)، من غارتنر، أن تكاليف صناعة السيارات في شرق أوروبا ليست منخفضة بقدر الصين، لكنها تقترب منها. وقد يصبح العامل البشري أقل أهمية مستقبلاً مع تسارع الأتمتة. فشركات السيارات الصينية تعمل على تطوير ما تسميه "المصانع المظلمة" (Dark factories)، وهي منشآت مؤتمتة إلى درجة تجعلها تحتاج إلى عدد ضئيل جداً من العمال، بل إن غياب العاملين يلغي الحاجة حتى إلى الإضاءة.

وبحسب دانيا هيرش، من أوليفر وايمان، فإن المصنع المظلم، عندما يصبح جاهزاً، يمكن ببساطة "تعبئته وشحنه وفكّه" في مكان آخر. وهذه الديناميكية تجعل من الصعب التنبؤ بحجم الوجود الصناعي الصيني خارج البلاد. وتتوقع أليكس أن ترتفع الطاقة الإنتاجية الخارجية لشركات السيارات الصينية إلى 3.4 ملايين سيارة سنوياً بحلول 2030، مقارنة بـ1.2 مليون سيارة العام الماضي. بينما تضع تقديرات أخرى الرقم عند ستة ملايين سيارة. وفي أوروبا تحديداً، تتوقع شركة موبيليتي غلوبال (Mobility Global) أن تنتج العلامات الصينية نحو 90 ألف سيارة هذا العام، قبل أن يقفز الرقم إلى مليون سيارة سنوياً بحلول 2030