حذّرت الشرطة الفلسطينية من تنامي مخاطر الجرائم الإلكترونية وعمليات الاحتيال المالي والابتزاز الإلكتروني، مؤكدة في الوقت ذاته أن معدلات الجرائم التقليدية، بما فيها جرائم القتل والسرقة والخطف، ما تزال ضمن معدلاتها الطبيعية، في حين يشهد الفضاء الإلكتروني ارتفاعًا ملحوظًا في عدد القضايا المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي والتعامل غير الآمن مع المعلومات الشخصية.
جاء ذلك خلال حديث العميد لؤي رزيقات، الناطق باسم الشرطة الفلسطينية، ضمن برنامج «طلة صباح» الذي يبث عبر فضائية معا وشبكة معا الإذاعية وراديو الرابعة، ويقدمه الإعلامي عادل غريب، حيث تناول واقع الجريمة في المجتمع الفلسطيني، وآليات تعامل الشرطة مع الجرائم الإلكترونية، إلى جانب تفاصيل عدد من القضايا التي أثارت اهتمام الرأي العام مؤخرًا.
الجرائم التقليدية ضمن معدلاتها الطبيعية
وقال رزيقات إن تطور المجتمع يرافقه في بعض الأحيان تطور في أساليب ارتكاب الجريمة، موضحًا أن المجرمين يحاولون باستمرار تطوير وسائلهم وطرق تنفيذ الجرائم.
وأكد أن معدلات الجريمة في المجتمع الفلسطيني، بما يشمل جرائم القتل والسرقة والخطف، ما تزال ضمن نطاقها الطبيعي، مشيرًا إلى أن هذه المعدلات لم تشهد ارتفاعًا كبيرًا على مدار السنوات الماضية.
وأضاف أن حالة الاستنكار المجتمعي الواسعة تجاه الجرائم، إلى جانب الاهتمام بمتابعتها والإبلاغ عنها، تعكس رفض المجتمع الفلسطيني لهذه الظواهر وخشيته من انتشارها، معتبرًا أن هذا الوعي المجتمعي يمثل عاملًا إيجابيًا في مواجهة الجريمة.
الابتزاز الإلكتروني والاحتيال.. الخطر المتصاعد
وأوضح الناطق باسم الشرطة أن الارتفاع الأكثر وضوحًا يتركز في جرائم الابتزاز الإلكتروني والتشهير والاحتيال المالي الإلكتروني، مشيرًا إلى وجود علاقة مباشرة بين اتساع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وتزايد هذا النوع من الجرائم.
وبيّن أن زيادة أعداد مستخدمي منصات التواصل تؤدي إلى اتساع مساحة الاستهداف أمام مرتكبي الجرائم الإلكترونية، خصوصًا مع استمرار بعض المستخدمين في مشاركة معلوماتهم الشخصية وصورهم ومحادثاتهم وبياناتهم المالية دون إدراك لحجم المخاطر المترتبة على ذلك.
وأشار إلى أن بعض الضحايا يقعون في شباك المبتزين نتيجة مشاركة صورة أو تسجيل أو محادثة أو معلومة شخصية، فيما يتعرض آخرون للاستهداف بعد تسريب معلومات تتعلق بحساباتهم البنكية أو بياناتهم المالية.
وشدد على أن مواجهة هذه الجرائم تحتاج إلى مزيد من الوعي والتركيز والمحافظة على المعلومات الشخصية، مؤكدًا أن الوقاية تبدأ من طريقة تعامل الفرد مع بياناته الخاصة على الإنترنت.
26 ألف قضية إلكترونية منذ تأسيس الدائرة
وكشف رزيقات أن دائرة مكافحة الجرائم الإلكترونية، التي بدأت عملها وتطورت ضمن إدارة المباحث العامة منذ عام 2013، تعاملت منذ تأسيسها مع أكثر من 26 ألف جريمة إلكترونية بمختلف أشكالها.
وأكد أن الشرطة حافظت طوال هذه الفترة على سرية بيانات الضحايا، مشددًا على أنه لم يتم التفريط بمعلومات أي ضحية، رغم وجود محاولات من جهات إعلامية وصحفية للحصول على معلومات بهدف إجراء مقابلات أو دراسة بعض الحالات.
وأوضح أن هناك قضايا جرى التعامل معها ومعالجتها بصورة كاملة دون علم حتى بعض أفراد أسر الضحية، حفاظًا على خصوصية الضحايا وعلى النسيج المجتمعي، مؤكدًا أن السرية تشكل مبدأ أساسيًا في التعامل مع هذا النوع من القضايا.
تحذير من «هاكرز» مزيفين يستغلون الضحايا
وحذر رزيقات المواطنين من أشخاص ينتحلون صفة خبراء أو «هاكرز» ويدّعون قدرتهم على حل قضايا الابتزاز الإلكتروني أو التواصل مع الشرطة نيابة عن الضحية.
وأوضح أن التحقيقات في عدد من هذه الحالات أظهرت أن بعض هؤلاء الأشخاص لم يكونوا سوى مبتزين جدد يستغلون الضحية، ويطلبون منها الحصول على صور أو معلومات أو مواد سبق أن استخدمها المبتز الأصلي، ما يحوّل الضحية إلى طرف مستهدف في جريمة مركبة.
وشدد على أن الطريق الأكثر أمانًا وسرعة هو التوجه مباشرة إلى الشرطة، وعدم تسليم أي معلومات أو صور أو بيانات لأشخاص يدّعون قدرتهم على حل المشكلة بعيدًا عن الجهات الرسمية.
الابتزاز قد يبدأ بصورة وينتهي بجرائم أخطر
وفي تحذير لافت، أكد رزيقات أن الابتزاز لا يتوقف بالضرورة عند المطالب المالية، موضحًا أن المبتز قد يبدأ بطلب المال، ثم ينتقل إلى مطالب أخرى أكثر خطورة، بما فيها مطالب ذات طبيعة أخلاقية أو دفع الضحية إلى التورط في جرائم أخرى.
وأشار إلى إمكانية تطور الأمر إلى الاستدراج نحو المخدرات أو قضايا العمالة أو غيرها من الجرائم، مؤكدًا أن الاستجابة لمطالب المبتز أو الاستمرار في التواصل معه قد يؤدي إلى تعقيد القضية بصورة أكبر.
ودعا كل شخص يتعرض للابتزاز إلى عدم الاستسلام لمطالب المبتز، وقطع وسائل التواصل معه، والتوجه فورًا إلى الجهات المختصة.
سرية تامة.. وبيانات الضحية محصورة بالضابط المختص
وأكد رزيقات أن الشرطة تتعامل مع قضايا الابتزاز والجرائم الإلكترونية بسرية وحرفية، موضحًا أن اسم الضحية لا يكون متداولًا داخل جميع مستويات دائرة الجرائم الإلكترونية، وإنما يكون محصورًا بالضابط الذي يستقبل الشكوى والمسؤول المختص، قبل أن يجري التعامل مع القضية وفق أرقام وبيانات تحافظ على هوية الضحية.
وأشار إلى وجود تعليمات مشددة لضمان عدم تسريب أي معلومات تتعلق بالضحايا، مؤكدًا أن هذه السياسة ساهمت على مدار سنوات في تعزيز ثقة المواطنين بالشرطة ودائرة الجرائم الإلكترونية.
ضحايا دفعوا مئات آلاف الشواكل ومئات غرامات الذهب
وكشف رزيقات عن حالات ابتزاز وصلت فيها المبالغ التي دفعها الضحايا إلى مئات آلاف الشواكل، فيما اضطر بعض الضحايا إلى دفع ما يعادل مئات الغرامات من الذهب للمبتزين.
وأكد أن استمرار الضحية في الدفع لا يضمن انتهاء الابتزاز، بل قد يؤدي إلى استنزافها ماليًا دون نهاية، مشيرًا إلى أن هناك حالات لم تتوجه فيها الضحية إلى الشرطة إلا بعد استنفاد قدرتها المالية، ومع ذلك تمكنت الشرطة خلال فترة قصيرة من معالجة القضية.
ووجه رسالة مباشرة لكل من يتعرض للابتزاز، قائلًا إن الإبلاغ المبكر والتوجه إلى الشرطة يمثلان الخيار الأسلم والأسرع، بدل الاستجابة لمطالب المبتز.
الذكور الأكثر تعرضًا.. والفئة العمرية من 18 إلى 40 عامًا
وبيّن رزيقات أن الرجال كانوا، وفق بيانات السنوات الماضية، من الفئات الأكثر تعرضًا لجرائم الابتزاز الإلكتروني، لافتًا إلى أن الفئة العمرية الأكثر حضورًا في هذه القضايا تتراوح تقريبًا بين 18 و40 عامًا.
وأكد في الوقت نفسه أن الجرائم الإلكترونية لا تستثني أي فئة عمرية، مشيرًا إلى تسجيل حالات تعرض فيها كبار السن للابتزاز والتهديد والنصب والاحتيال.
احتيال باسم البنوك.. وسحب الأموال خلال دقائق
وفي ملف الاحتيال المالي، حذر رزيقات المواطنين من الاتصالات التي ينتحل خلالها المحتالون صفة موظفي البنوك، مؤكدًا أن بعض الضحايا يقدمون بيانات حساسة خلال مكالمات هاتفية تنتهي بسحب الأموال من حساباتهم.
وأشار إلى أن المحتالين يعتمدون على أساليب نفسية دقيقة، من بينها استغلال الطمع أو الاستعجال أو الخوف، وإقناع الضحية بأنها حصلت على جائزة أو مبلغ مالي أو فرصة معينة، ثم مطالبتها بدفع مبلغ صغير أو الضغط على رابط إلكتروني.
وأوضح أن بعض الروابط تهدف إلى الوصول إلى الهاتف أو الحساب البنكي أو البيانات الشخصية، وفي حال تمكن المحتال من السيطرة على الحساب، يمكن أن تتم عملية سحب الأموال خلال دقائق.
واستشهد بحالة تعرض فيها أحد الأشخاص لعملية احتيال بعدما تلقى اتصالًا من شخص ادعى أنه موظف بنك، وتمكن من الحصول على بياناته، قبل أن يتم سحب نحو 20 ألف يورو من حسابه.
وأكد أن الاتصال الهاتفي الذي يدّعي صاحبه أنه موظف بنك لا يعني بالضرورة أنه اتصال رسمي، داعيًا المواطنين إلى عدم إعطاء أي بيانات مصرفية عبر الهاتف.
«إذا كان البنك يريد تحديث بياناتك.. اذهب إلى البنك»
ودعا رزيقات المواطنين إلى اعتماد قاعدة واضحة في التعامل مع الاتصالات المصرفية، تتمثل في عدم مشاركة البيانات الحساسة عبر الهاتف، وفي حال وجود طلب حقيقي لتحديث المعلومات، يمكن التوجه مباشرة إلى فرع البنك أو التواصل معه عبر القنوات الرسمية.
كما حذر من الروابط والإعلانات التي تحمل شعارات بنوك أو شركات أو مؤسسات رسمية، وتدعو المواطنين للحصول على مساعدات أو جوائز أو مبالغ مالية مقابل إرسال بيانات أو دفع مبالغ.
وأكد أن بعض هذه الإعلانات ليست سوى أدوات احتيال منظمة، داعيًا المواطنين إلى التحقق من أي إعلان عبر الصفحة الرسمية للبنك أو المؤسسة أو التوجه مباشرة إلى مقر الجهة المعنية.
ملايين الشواكل سُحبت بسبب التفريط بالمعلومات
وأشار الناطق باسم الشرطة إلى أن دائرة الجرائم الإلكترونية تستقبل مئات القضايا المرتبطة بالاحتيال الإلكتروني، مؤكدًا أن ملايين الشواكل تعرضت للسحب أو السرقة نتيجة الاستهتار بالمعلومات الشخصية أو الاستجابة السريعة للرسائل والاتصالات المشبوهة.
وقال إن المحتال يستغل في كثير من الأحيان نقطة ضعف محددة لدى الضحية، سواء كانت الطمع أو الخوف أو الاستعجال، ثم يدفعها إلى اتخاذ قرار سريع قبل أن تتاح لها فرصة التفكير أو التحقق من مصدر الاتصال.
«سرعة الإبلاغ» مفتاح الوصول إلى الجاني
وشدد رزيقات على أهمية الإبلاغ الفوري عن أي جريمة إلكترونية، موضحًا أن سرعة تقديم البلاغ تساعد الأجهزة المختصة في الوصول إلى الأدلة الإلكترونية والبيانات التي قد تقود إلى هوية مرتكب الجريمة.
وأكد أن انتظار الضحية لفترة طويلة أو استمرارها في التواصل مع المبتز قد يؤدي إلى فقدان معلومات أو أدلة مهمة، بينما يسمح الإبلاغ المبكر للشرطة بالتحرك بصورة أسرع وأكثر فاعلية.
تفاصيل اختطاف امرأة وابنتها في كفر عقب
وفي جانب آخر من المقابلة، تطرق رزيقات إلى حادثة الاختطاف التي وقعت في كفر عقب، موضحًا أن الشرطة تحركت فور تلقي البلاغ، وبدأت إجراءات البحث والتحري إلى أن تمكنت من العثور على المرأة وابنتها في إحدى مناطق محافظة رام الله والبيرة.
وأشار إلى أن المرأة تعرضت لإصابات خلال عملية الاختطاف، ونقلت إلى مجمع فلسطين الطبي لتلقي العلاج.
وأضاف أن التحقيقات والتحريات أفضت إلى تحديد هوية المشتبه به، حيث جرى إحضاره إلى الشرطة، إلى جانب شخص آخر يشتبه بمساعدته في تنفيذ الجريمة.
وأوضح أن التحقيقات الأولية أظهرت أن خلفية الحادثة تعود إلى خلافات عائلية وزوجية، وأن عملية الاختطاف جاءت في سياق محاولة للتخويف والضغط، مؤكدًا أن الشرطة تمكنت من كشف ملابسات القضية والوصول إلى المتهمين.
التحقيقات مستمرة في جريمة مقتل شاب من جنين
وفيما يتعلق بحادثة إطلاق النار التي أودت بحياة شاب في إحدى المناطق، أوضح رزيقات أن الشرطة تلقت بلاغًا حول إصابة أحد الأشخاص بالرصاص، ونقل إلى مجمع فلسطين الطبي، قبل أن يعلن الأطباء وفاته متأثرًا بإصابته.
وأشار إلى أن المتوفى من سكان محافظة جنين، مؤكدًا أن التحقيقات والتحريات ما تزال مستمرة، وأن الشرطة تعمل على جمع الخيوط والأدلة التي يمكن أن تقود إلى تحديد هوية المتورطين في الجريمة.
وأكد أن إدارة المباحث العامة تواصل عملها في القضية للوصول إلى الأشخاص المشتبه بهم وتحديد دوافع الجريمة وملابساتها.
27 جريمة منذ بداية العام
وفي ختام حديثه، أشار رزيقات إلى تسجيل 27 جريمة منذ بداية العام، موضحًا أن معظم هذه القضايا جرى كشفها وإلقاء القبض على مرتكبيها، فيما لا تزال بعض الملفات قيد المتابعة والتحقيق، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها مرتكبو الجرائم خارج نطاق الوصول المباشر للشرطة أو تمكنوا من الفرار إلى أماكن يصعب الوصول إليها.
وأكد أن الأجهزة الأمنية تواصل جهودها في ملاحقة المطلوبين وكشف الجرائم، بالتوازي مع التركيز على الجانب الوقائي والتوعوي، خصوصًا في الجرائم الإلكترونية التي باتت تعتمد بدرجة كبيرة على سلوك المستخدم ومدى حفاظه على معلوماته وبياناته.
الوعي قبل الوقوع في الفخ
وتكشف تصريحات الناطق باسم الشرطة أن مواجهة الجريمة الإلكترونية لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تبدأ من المواطن نفسه، عبر عدم مشاركة البيانات والصور والمعلومات الحساسة، وعدم الضغط على الروابط المشبوهة، والتحقق من الإعلانات والاتصالات قبل الاستجابة لها.
وفي المقابل، تؤكد الشرطة أن الإبلاغ المبكر واللجوء المباشر إلى الجهات المختصة يمثلان خط الدفاع الأهم أمام المبتزين والمحتالين، وأن الخوف من الفضيحة أو التردد في تقديم الشكوى قد يمنح الجاني وقتًا وأدوات إضافية لمواصلة استغلال الضحية.
