انفراجة في أزمة الوقود مع شحن فائض الشيكل مبكرًا وتحسّن التوريد

رام الله الإخباري

بدأت أزمة المحروقات في الضفة الغربية تتجه إلى انفراج تدريجي مع بداية الشهر الجاري، مع تراجع ملحوظ في الطوابير أمام عدد من محطات الوقود وتحسن وصول البنزين والسولار، بالتزامن مع بدء شحن مبكر لنحو 4.5 مليار شيكل من فائض النقد المتراكم لدى المصارف الفلسطينية إلى الجانب الإسرائيلي.

وشهدت محطات في محافظات عدة، خلال اليومين الأخيرين، انخفاضاً في الازدحام مقارنة بالأيام الأخيرة من الشهر الماضي. وأفادت مصادر محلية بأن التزود بالمحروقات أصبح أكثر انتظاماً، مع بقاء ضغط متفاوت في بعض المناطق والمحطات.

وقال صاحب إحدى محطات الوقود لـ«معا»: «الكميات التي تصلنا تحسنت، لكنها ما تزال تنفد بسرعة. صحيح أن الأزمة أمام المحطة أصبحت أخف، لكننا بحاجة إلى كميات أكبر حتى تعود الأمور إلى طبيعتها».

وعبّر المواطن أحمد أبو سنينة، الذي كان ينتظر دوره للتعبئة، عن استيائه من استمرار الازدحام في بعض المحطات، قائلاً: «هناك نقص واضح، والمسؤولية تقع على أصحاب المحطات وهيئة البترول». وأضاف: «المحروقات سلعة ندفع ثمنها، ومن حق المواطن الحصول عليها دون الانتظار لساعات طويلة».

كيف تحدد كميات المحروقات؟

تأتي بوادر الانفراج بعد أزمة حادة شهدتها السوق الفلسطينية، تزامنت فيها قيود النقل والتوريد وأزمة السيولة النقدية بالشيكل مع ارتفاع استثنائي ومفاجئ في الطلب.

وقال مسؤول في وزارة المالية لـ«معا» إن طلبات المحروقات تُعد مسبقاً وفق أنماط الاستهلاك والبيانات الموسمية، موضحاً أن الزيادة المفاجئة في الطلب تجاوزت تقديرات الطلبيات الشهرية.

وأضاف أن الأزمة الأخيرة لم تكن انقطاعاً دائماً في الإمدادات، بل نتجت أساساً من ارتفاع سريع وغير مسبوق في الطلب خلال فترة قصيرة، في ظل مخاوف المواطنين من ارتفاع أسعار المحروقات ومن احتمال تأثر الإمدادات بالتطورات الإقليمية وأسعار النفط عالمياً.

وأوضح أن عدداً كبيراً من المواطنين سارع إلى تعبئة خزانات مركباته بكميات أكبر من المعتاد، والاحتفاظ بكميات إضافية من الوقود، الأمر الذي أحدث ضغطاً سريعاً على المحطات وعلى الكميات المخصصة للشهر.

وقال: «الطلب ارتفع بوتيرة غير مسبوقة، بينما كانت الكميات الشهرية قد حُددت مسبقاً. ومع ذلك مارست الهيئة ضغوطاً على المورد الإسرائيلي للحصول على كميات إضافية خارج الطلبية الأساسية، وتمكنت من تأمين جزء منها، لكنها لم تكن كافية لتغطية حجم الارتفاع المفاجئ في الاستهلاك».

ومع بدء تطبيق الأسعار الجديدة، انخفض الطلب الاستثنائي تدريجياً بعد أن وصلت شريحة من المواطنين الذين بادروا إلى التعبئة قبل ارتفاع الأسعار إلى حالة اكتفاء مؤقت. ولا يعني ذلك أن ارتفاع الأسعار حل للأزمة بحد ذاته، لكنه تزامن مع انحسار حالة التخوف والشراء الإضافي، وعودة الطلب إلى مستويات أقرب إلى الحاجة اليومية المعتادة.

شحن مبكر لفائض الشيكل

وفي تطور مالي مهم، أعلن محافظ سلطة النقد يحيى شنار موافقة الجانب الإسرائيلي على تبكير شحنة الربع الرابع من فائض الشيكل، والتي كانت مقررة في الأول من تشرين الأول المقبل، بحيث يبدأ فوراً ترحيل نحو 4.5 مليار شيكل إلى البنك المركزي الإسرائيلي.

وقال شنار إن الخطوة ستخفف الضغط عن المصارف الفلسطينية، وتعزز سيولتها وتغذي حساباتها لدى البنوك الإسرائيلية، بما يدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات المصرفية وتمويل احتياجات القطاع الخاص.

ومن شأن زيادة الأرصدة القابلة للاستخدام في الحسابات المصرفية أن تساعد، من حيث المبدأ، في تسهيل تسوية الالتزامات التجارية مع الموردين الإسرائيليين، ومن ضمنها مستحقات قطاع المحروقات. غير أن أثر هذه الخطوة على الديون المتراكمة وحجم التوريد يحتاج إلى بيانات رسمية توضح قيمة الالتزامات التي ستتم تسويتها والكميات الإضافية التي يمكن تأمينها.

وكان وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة قد أعلن، في مؤتمره الصحفي الأسبوع الماضي، أن الحكومة تعمل على زيادة التوريد وتأمين مرور الصهاريج، متوقعاً بداية انفراج في أزمة الوقود. وأشار إلى أن التحديات شملت أزمة إيداع النقد، ومحدودية التخزين، وقيود النقل، ووجود تهريب للمحروقات يجري تقييمه ومعالجته.

انفراج يحتاج إلى تثبيت

تمثل شحنة فائض الشيكل خطوة تخفيفية مهمة، لكنها لا تنهي جذور الأزمة بصورة دائمة. فاستقرار السوق يحتاج إلى انتظام طويل الأمد في شحن الشيكل، وضمان قنوات دفع مصرفية مستقرة، وزيادة مرونة التوريد، وتحسين القدرة التخزينية، إلى جانب نشر بيانات دورية تطمئن المواطنين بشأن الكميات المتاحة وتحد من عودة الشراء بدافع الخوف.

وكان خبير اقتصادي تحدث لـ«معا» إن الكتلة النقدية المتداولة بالشيكل داخل الاقتصاد الفلسطيني، لدى البنوك وسلطة النقد والأفراد والقطاعات التجارية، كبيرة جداً، مقدراً حجم النقد الورقي المتداول بنحو 37 مليار شيكل، مشيراً إلى أن ما بحوزة المواطنين والاقتصاد خارج الخزائن المصرفية قد يتجاوز ما هو مودع لدى البنوك وسلطة النقد.

ويرى الخبير أن معالجة هذا الاختناق لا تقتصر على شحن فائض النقد، بل تتطلب اتفاقاً واضحاً بين سلطة النقد والمصارف بشأن سقوف وآليات الإيداع النقدي، بحيث لا تبقى خاضعة لاجتهاد كل بنك أو فرع، بما يحمي التجار وأصحاب الأعمال الصغيرة من تعطّل معاملاتهم أو تحمل كلفة إضافية لتحويل العملات.

كما يتطلب تعميم التعامل الإلكتروني خطة عملية تراعي احتياجات غير الموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة، وتوفر لهم آليات واضحة لشحن أرصدتهم واستخدامها، إلى جانب توعية صريحة وشفافة بشأن الخيارات المتاحة، بما يعيد الثقة بالنظام المصرفي ولا يحول التحول الإلكتروني إلى عبء إضافي على المواطن أو التاجر.

وفي المحصلة، تعطي قلة الطوابير وتحسن تدفق الكميات، إلى جانب بدء شحن فائض الشيكل، مؤشراً إيجابياً على اقتراب انتهاء المرحلة الحادة من الأزمة. لكن تثبيت هذا الانفراج يتطلب أن تبقى خلية الأزمة، التي تضم هيئة البترول ووزارة المالية وسلطة النقد والقطاع المصرفي، في حالة انعقاد ومتابعة دائمة.

وتزداد أهمية ذلك مع اقتراب نهاية الصيف والانتقال التدريجي إلى احتياجات الشتاء، حيث يرتفع الطلب على بعض المشتقات المستخدمة في التدفئة، ولا سيما الغاز والسولار. ويبقى السؤال: هل تنجح الجهات المختصة في بناء آلية استجابة أسرع وأكثر مرونة لأي زيادة مفاجئة في الطلب، أم تبقى السوق عرضة لتكرار أزمات مشابهة عند كل اضطراب في الإمدادات أو المدفوعات؟

معا