جاءت تصريحات وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة- في مؤتمره الصحفي اليوم- في سياق اقتصادي ومصرفي شديد الحساسية؛ ليجيب عن تساؤلات المواطنين ويجلي كثيرا من الضبابية في الموقف الراهن، بعد تحقيقات صحفية تناولت أزمة المحروقات، من بينها تحقيق "معا": "من فائض الكاش إلى أزمة الوقود: متى وكيف تُحل الأزمة؟"، وبعد تحذيرات أطلقتها سلطة النقد ومؤسسات مالية دولية ومحلية من مخاطر تدهور العلاقات المصرفية المراسلة، إلى جانب تقارير عن توجه بنكين إسرائيليين إلى وقف خدمات مصرفية حيوية للمصارف الفلسطينية.
وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية "وفا"، تحدث الوزير عن الترابط بين التهديد بقطع العلاقة المصرفية، واستمرار توريد المياه والكهرباء والوقود والسلع الأساسية، كما عرض أسباب أزمة المحروقات، بما فيها أزمة إيداع النقد، ومحدودية التخزين، والقيود على الصهاريج، وعمليات التهريب، متوقعاً بداية انفراج في الأزمة خلال الأسبوع المقبل.
وإذ إن المصارحة بحجم الخطر حق للجمهور وواجب على الحكومة، فإن الاتصال العام في الأزمات لا يقاس بصحة المعلومة فقط، بل أيضاً بكيفية تلقيها وبالسلوك الاقتصادي الذي قد تنتجه. فالرسائل العامة الصادرة عن المسؤولين تحتاج إلى موازنة دقيقة بين الشفافية والتحذير من جهة، وطمأنة الجمهور عبر معلومات عملية ومحددة من جهة أخرى.
هذه ليست قراءة في نوايا الوزير أو اعتراضاً على حقه في التحذير من مخاطر حقيقية، بل قراءة في الأثر المحتمل للرسالة الاقتصادية على سلوك السوق والمواطنين.
مخاوف من استمرارية السلع والخدمات
حين يجري الربط بين مستقبل العلاقات المصرفية وبين استيراد الوقود والغذاء والدواء والخدمات الأساسية، قد يتلقى جزء من الجمهور الرسالة بوصفها إنذاراً بنقص وشيك، حتى إن كانت المخاطر المطروحة احتمالات تستدعي التحرك والوقاية، لا نتائج حتمية أو وشيكة.
وقد يترتب على هذا الفهم ارتفاع الطلب الاستباقي على السلع، ليس لحاجة استهلاكية فعلية، بل بدافع القلق من احتمال تعطل التوريد.
التخزين الاستباقي يضاعف الأزمة
في ظروف القلق، قد تلجأ الأسر والمؤسسات إلى تخزين الغذاء والوقود والسلع الأساسية، خصوصاً إذا بقيت الترتيبات المصرفية عرضة للتهديد أو اقتربت المواعيد التي تتداولها الأسواق بشأنها. وهذا السلوك، حتى عندما يكون مفهوماً على مستوى الفرد، يمكن أن يرفع الطلب إلى مستويات تتجاوز حاجة السوق الطبيعية.
النتيجة المحتملة ليست فقط ضغطاً على المخزون، بل خلق أزمة طلب موازية للأزمة الأصلية.
المحروقات: بين الوعد بالانفراج والخوف من النقص
أكد الوزير أن أزمة المحروقات مؤقتة، وأن تحسناً متوقعاً مع بداية الأسبوع المقبل. لكن ربط الأزمة، في الوقت ذاته، بمخاطر أوسع تتصل بالتوريد والعلاقة المصرفية، قد يدفع بعض المواطنين إلى تعبئة مركباتهم بكميات إضافية أو شراء الوقود وتخزينه.
في سوق يعاني أصلاً من طوابير ومحطات مغلقة أو تقنين في البيع، يمكن لهذا السلوك أن يطيل الأزمة ويزيد الازدحام، حتى لو بدأت الكميات بالوصول فعلياً إلى السوق.
لذلك، تحتاج الرسالة المرافقة إلى تأكيد واضح ومكرر: ما الكميات التي تدخل يومياً؟ ما المحافظات التي تحظى بالأولوية؟ ما حجم الاحتياطي المتاح؟ ومتى يصدر التحديث الرسمي التالي؟
الدفع الإلكتروني: إصلاح أم استجابة اضطرارية؟
طرح الوزير التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد والشيكل كجزء من معالجة أزمة السيولة. وهذا توجه له مبررات اقتصادية ومصرفية أوسع من الأزمة الراهنة: تطوير البنية التحتية للمدفوعات، وتعزيز الشمول المالي، ورفع كفاءة الاقتصاد، والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
لكن ربط هذا التحول مباشرة بخطر تعطل التسويات المصرفية أو عدم استقبال فائض الشيكل قد يخلق لدى الجمهور انطباعاً بأن الدفع الإلكتروني إجراء اضطراري فُرض تحت ضغط الأزمة، لا مشروع إصلاحي تدريجي. وقد ينعكس ذلك في مقاومة أو تشكيك بوسائل الدفع الحديثة، بدل النظر إليها كخيار يوسع قدرة الناس والتجار على إدارة معاملاتهم.
الثقة المؤسسية والنشاط الاقتصادي
في الأزمات الاقتصادية، لا تتأثر الأسواق بالكميات والأسعار فقط، بل بدرجة الثقة أيضاً. فإذا فهم المواطن أن المؤسسات قد لا تتمكن من ضمان تدفق السلع والخدمات الأساسية، قد تتراجع ثقته بقدرتها على إدارة الأزمة، وتتوسع مساحة الشائعات والمعلومات غير الدقيقة عبر شبكات التواصل.
كما قد يدفع القلق بعض الشركات إلى تأجيل الاستثمار والتوسع والإنتاج، وإعادة ترتيب الإنفاق، بما ينعكس على الحركة الاقتصادية في مرحلة تحتاج فيها السوق إلى أكبر قدر ممكن من الاستقرار.
ما الذي تحتاجه الرسالة الحكومية؟
المطلوب ليس إخفاء المخاطر، ولا تقديم تطمينات غير واقعية. فالتهديدات التي تحيط بالمقاصة والعلاقات المصرفية والتوريد هي جزء من واقع سياسي واقتصادي مفروض على الفلسطينيين. لكن الاتصال المسؤول يقتضي أن تسير المصارحة والطمأنة معاً.
ويعني ذلك إعلاناً دورياً ومنسقاً يوضح:
1- وضع قنوات الاستيراد والتوريد الفعلية، لا السيناريوهات المحتملة فقط.
2- كميات المحروقات التي تدخل السوق وخطة توزيعها.
3- الإجراءات المتخذة مع البنوك وسلطة النقد والقطاع الخاص.
4- ما المطلوب من المواطنين تجنبه، خصوصاً التهافت والتخزين غير المبرر.
5- آلية رسمية موحدة للرد على الشائعات وتحديث المعلومات.
لقد وضع مؤتمر وزير المالية المخاطر أمام الرأي العام، وهي خطوة مقدّرة تندرج في حق المواطن بالمعرفة. أما نجاح الرسالة فيقاس بقدرتها على منع القلق من التحول إلى أزمة سوق جديدة؛ عبر شفافية كاملة، وخطة معلنة، ومعلومات مستمرة تؤكد أن إدارة الأزمة لا تقتصر على التحذير منها، بل تشمل احتواء آثارها وحماية المواطن وكرامته.
