رام الله الإخباري
تشهد السوق الفلسطينية منذ أكثر من عام ونصف تحولاً غير مألوف في أنماط التعامل المالي، بعدما بدأت أزمة فائض الشيكل داخل الجهاز المصرفي تنعكس مباشرة على حياة التجار والمواطنين.
فالبنوك التي كانت المحطة الطبيعية لإدارة السيولة والشيكات والتحويلات، باتت تفرض قيوداً على الإيداعات النقدية وإصدار دفاتر الشيكات وشراء العملات الأجنبية، فيما اتجهت شريحة متزايدة من المتعاملين إلى شركات الصرافة والسوق النقدية الموازية لتسيير أعمالها اليومية.
في الظاهر، تبدو الأزمة مصرفية بحتة: بنوك تقلص استقبال النقد، تجار لا يستطيعون تغطية شيكاتهم رغم امتلاكهم الأموال، شركات صرافة تشهد طلباً متزايداً، وفجوة آخذة بالاتساع بين أسعار العملات داخل البنوك وأسعارها في السوق.
غير أن الصورة الأعمق تكشف عن دورة اقتصادية معقدة يدخل فيها الشيكل إلى الضفة الغربية من أبواب متعددة، أبرزها أجور العمال الفلسطينيين في إسرائيل، وإنفاق فلسطينيي الداخل في أسواق الضفة، والتجارة مع إسرائيل، وشراء العقارات، والتداولات النقدية في قطاعات المحروقات والأغذية والخضار والمطاعم ومواد البناء.
وتكمن المشكلة الجوهرية في أن البنوك الفلسطينية تتعامل بعملة لا تملك سلطة إصدارها أو التحكم بمخارجها. فهي لا تستطيع امتصاص فائض الشيكل أو شحنه إلى بنك إسرائيل إلا وفق سقوف يحددها الجانب الإسرائيلي، وعبر قنوات مصرفية إسرائيلية محدودة.
وبذلك يتحول النقد، الذي يفترض أن يكون أداة تداول، إلى عبء داخل الخزائن، وتتحول السيولة المتراكمة إلى أزمة تعطل بعض وظائف الجهاز المصرفي والسوق معاً.
ويعمل في فلسطين 13 بنكاً محلياً ووافداً، تدير شبكة واسعة من الفروع والحسابات والودائع والتسهيلات.
وبحسب بيانات القطاع المصرفي، تتجاوز موجودات البنوك العاملة في فلسطين 26 مليار دولار، فيما تقترب ودائع العملاء من 22 مليار دولار، وهو ما يجعل الجهاز المصرفي أحد أهم أعمدة الاقتصاد الفلسطيني، ويجعل أي قيود على الإيداع أو الشيكات أو التحويلات ذات أثر مباشر على حركة التجارة والاستهلاك وثقة المتعاملين.
وكانت سلطة النقد الفلسطينية قد أقرت في تقرير الاستقرار المالي بأن القيود المفروضة على شحن فائض الشيكل بدأت تؤثر في قدرة البنوك على أداء بعض وظائفها التقليدية المتعلقة بإدارة السيولة وتمويل التجارة، رغم استمرار متانة مؤشرات رأس المال والسيولة في الجهاز المصرفي.
وتعزو البنوك هذه الإجراءات إلى استمرار أزمة فائض الشيكل داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني، نتيجة رفض البنوك الإسرائيلية استقبال فائض النقد المتراكم بالمستوى الذي تحتاجه السوق الفلسطينية، الأمر الذي أدى إلى تضخم الكتلة النقدية بالشيكل وارتفاع كلفة الاحتفاظ بها. غير أن التجار والمتعاملين يرون أن نقل عبء الأزمة إلى السوق عبر تقليص الإيداعات والشيكات لا يحل المشكلة، بل يدفع جزءاً من النشاط التجاري إلى النقد وشركات الصرافة والسوق الموازية.
ويشرح الخبير المالي الدكتور محمود جمال شوخة دكتوراه في المحاسبة والتمويل أن جوهر الأزمة لا يتمثل في نقص الشيكل أو تراجع قيمته، بل في تكدس النقد الورقي داخل خزائن البنوك دون القدرة على تحويله إلى أرصدة مصرفية إلكترونية قابلة للاستخدام في تمويل التجارة والتحويلات وتسوية المدفوعات.
دورة الشيكل: من العامل إلى البنك
قبل الحرب على غزة، كان يعمل في إسرائيل والمستوطنات عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين، وتقدر بعض المصادر عددهم بما يقارب 200 ألف عامل في بعض الفترات، بينما كانت تقديرات رسمية ودولية سابقة تتحدث عن نحو 145 ألفاً إلى أكثر من 150 ألف عامل في سنوات ما قبل الحرب.
هؤلاء العمال كانوا يمثلون أحد أهم مصادر دخول الشيكل النقدي إلى الضفة الغربية. فالعامل الذي يتقاضى بين 5 آلاف و10 آلاف شيكل شهرياً، سواء بشكل منتظم أو غير منتظم، كان ينفق جزءاً كبيراً من دخله داخل السوق الفلسطينية: غذاء، بناء، سيارات، ديون، أقساط، مدارس، جامعات، مناسبات، وأحياناً شراء أرض أو منزل.
هذه الأموال لا تبقى في جيب العامل. هي تنتقل إلى السوبرماركت، محل الخضار، محطة الوقود، تاجر البناء، معرض السيارات، الطبيب، المدرسة، والمطعم. ثم تعود تدريجياً إلى الشركات والتجار، الذين يحاولون إيداعها في البنوك أو استخدامها لتغطية الشيكات والالتزامات التجارية.
ولذلك، فإن أجور العمال ليست مجرد دخل عائلي، بل كانت أحد محركات الطلب الداخلي، وأحد أهم مصادر ضخ الشيكل النقدي في الاقتصاد الفلسطيني.
التجارة مع إسرائيل: بضائع تتحول إلى نقد
المدخل الثاني لفائض الشيكل يتمثل في طبيعة العلاقة التجارية مع إسرائيل. فالفلسطينيون يشترون من السوق الإسرائيلية بضائع وخدمات بمليارات الدولارات سنوياً، تشمل الوقود والكهرباء والمياه والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية ومواد البناء والأدوية ومدخلات الإنتاج.
وبحسب بيانات تجارية، بلغت الواردات الفلسطينية من إسرائيل في عام 2024 نحو 3.7 مليار دولار، أي ما يقارب 58% من إجمالي الواردات الفلسطينية، فيما بلغت الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل نحو 1.3 مليار دولار، وشكلت حوالي 86% من إجمالي الصادرات. وتعكس هذه الأرقام حجم الارتباط التجاري العميق بين الاقتصادين، حيث يدفع الفلسطينيون شهرياً أثمان سلع وخدمات أساسية إلى إسرائيل، في الوقت نفسه الذي تتحكم فيه إسرائيل بتحويل الضرائب الناتجة عن هذه التجارة.
وتبرز الكهرباء مثالاً واضحاً على هذا التشابك. فوفقاً لتقرير مكتب الرباعية، تشكل واردات الكهرباء تكلفة كبيرة على الاقتصاد الفلسطيني، وتتجاوز 700 مليون دولار سنوياً. كما ورد في تقارير أخرى حول صافي الإقراض أن الخصومات الإسرائيلية تحت بند ديون الكهرباء وحدها بلغت نحو 1.3 مليار شيكل حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام.
هذه السلع والخدمات لا تبقى أرقاماً في سجلات التجارة فقط، بل تتحول داخل السوق الفلسطينية إلى دورة نقدية يومية. فالبضائع الإسرائيلية تدخل إلى السوق، وتباع للمواطنين والتجار، ثم تتحول قيمتها إلى نقد في يد المورد أو التاجر الفلسطيني. وبعد ذلك يعود هذا النقد إلى البنوك، إما كإيداع، أو لتغطية شيكات، أو لتحويلات تجارية، أو لشراء عملات أخرى.
في الظروف الطبيعية، كانت الدورة تعمل بصورة أكثر توازناً: يدخل الشيكل نقداً إلى السوق الفلسطينية، تجمعه البنوك، ثم تشحن جزءاً منه إلى الجانب الإسرائيلي، أو تستخدم الأرصدة الإلكترونية في حسابات المراسلة والمقاصة لتسوية المدفوعات التجارية مع الموردين الإسرائيليين. لكن عندما يصبح سقف شحن الشيكل محدوداً، وعندما تتعطل أو تتقلص المقاصة، تنكسر الحلقة؛ فالبضائع تستمر في الدخول، والشيكل يستمر في التداول، لكنه لا يعود إلى إسرائيل بالحجم الكافي، فتتكدس العملة في الخزائن الفلسطينية.
وتكشف بيانات مالية وتجارية أن أزمة فائض الشيكل لا تنفصل عن طبيعة هذه العلاقة الاقتصادية. ففي عام 2024 بلغت إيرادات المقاصة الفلسطينية نحو 9.8 مليار شيكل، لم تتسلم السلطة منها سوى 4.43 مليار شيكل بعد الاقتطاعات. وهذا يعني أن الاقتصاد الفلسطيني يدفع لإسرائيل أثمان سلع وخدمات بمليارات الدولارات، وتُجبى ضرائبه عبر إسرائيل، لكنه لا يملك السيطرة الكاملة على تحويل هذه الإيرادات أو على إعادة فائض الشيكل المتراكم في بنوكه.
ويرى اقتصاديون أن جوهر الأزمة يكمن في أن الفلسطينيين يستخدمون الشيكل كعملة رئيسية دون امتلاك أدوات السياسة النقدية الخاصة به. فالتجارة مع إسرائيل تولد تدفقات ضخمة بالشيكل، والمقاصة تجبى بالشيكل، وفواتير الكهرباء والوقود والمياه تخصم من المقاصة، لكن قرار قبول فائض العملة أو تقييد شحنه يبقى بيد الجانب الإسرائيلي، ما يضع الجهاز المصرفي الفلسطيني أمام أزمة سيولة لا يملك أدوات حلها منفرداً.
وبذلك يصبح الاقتصاد الفلسطيني محاصراً في معادلة معقدة: يستخدم الشيكل كعملة رئيسية، ويدفع لإسرائيل أثمان سلع وخدمات أساسية، وتُجبى ضرائبه عبر إسرائيل، لكنه لا يملك السيادة على العملة، ولا على حركة فائضها، ولا على تحويل إيراداته الضريبية. وتتحكم إسرائيل في مسارين حاسمين في الوقت نفسه: تحويل أموال المقاصة إلى السلطة، وقبول أو رفض فائض الشيكل المتراكم في البنوك الفلسطينية.
فلسطينيّو الداخل والذهب والعقارات: مصدر نقدي ثالث للشيكل
لا يقتصر دخول الشيكل إلى السوق الفلسطينية على أجور العمال والتجارة مع إسرائيل، ففلسطينيو الداخل يشكلون مصدراً نقدياً مهماً آخر. فعشرات الآلاف منهم يزورون مدن الضفة الغربية للتسوق والعلاج والمطاعم والفنادق والمناسبات الاجتماعية والجامعات وشراء السلع المختلفة، ما يجعل إنفاقهم جزءاً ثابتاً من الدورة الاقتصادية اليومية في عدد من المدن الفلسطينية.
في الخليل ونابلس وجنين ورام الله وأريحا وبيت لحم وقلقيلة وطولكرم، تحولت زيارات فلسطينيي الداخل إلى شريان اقتصادي واضح، إذ تتحدث تقديرات عن إنفاق آلاف الشواكل في الزيارة الواحدة للعائلة، خصوصاً عند الجمع بين الطعام، والتسوق، والمبيت، وشراء الملابس، والذهب، والأثاث، أو حتى دفع مقدمات لعقارات.
هذا الإنفاق يدخل غالباً إلى السوق نقداً، ثم ينتقل إلى التجار وأصحاب المحال والمطاعم والفنادق، قبل أن يجد طريقه لاحقاً إلى البنوك عبر الإيداعات أو تسوية الالتزامات التجارية. ولذلك، فإن أي تحليل لفائض الشيكل لا يكتمل دون احتساب هذا العامل؛ فالداخل الفلسطيني ليس فقط سوقاً استهلاكية مرتبطة بالضفة، بل هو أيضاً مصدر مباشر لضخ الشيكل النقدي في الاقتصاد الفلسطيني.
وتشير تقديرات دولية سابقة إلى أن مشتريات فلسطينيي الداخل وسكان القدس الشرقية في الضفة، إضافة إلى بعض مشتريات الذهب والعقارات، شكلت في سنوات سابقة مليارات الشواكل من التدفقات النقدية الداخلة إلى الاقتصاد الفلسطيني.
وتكتسب مشتريات الذهب والعقارات حساسية خاصة في هذا السياق. فبعض فلسطينيي الداخل يشترون ذهباً أو أراضي أو شققاً في الضفة، خاصة في مناطق مثل رام الله وأريحا، مستفيدين أحياناً من فروقات ضريبية أو سعرية بين السوق الفلسطينية والسوق الإسرائيلية. وهذه العمليات، حتى عندما يكون جزء منها موثقاً، تضيف تدفقات نقدية كبيرة تحتاج لاحقاً إلى إيداع أو تحويل أو توثيق مصدر داخل الجهاز المصرفي.
وهنا تنظر البنوك الإسرائيلية وبنك إسرائيل إلى المسألة من زاوية مختلفة، إذ تربط جزءاً من تحفظها على استقبال فائض الشيكل بمخاوف تتعلق بصعوبة تتبع مصدر النقد، ومخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب. غير أن الرد الفلسطيني على هذه الرواية يتمثل في أن أصل المشكلة لا يكمن في وجود تدفقات نقدية فقط، بل في أن إسرائيل تستفيد من استخدام الفلسطينيين للشيكل وتدفقه داخل اقتصادهم، ثم ترفض في الوقت نفسه تحمل كلفة امتصاص فائضه أو توفير قناة كافية ومنتظمة لإعادته إلى نظامها المصرفي.
المقاصة: أموال فلسطينية في حسابات إسرائيلية
لا يمكن فهم أزمة فائض الشيكل بمعزل عن ملف المقاصة، لأن المقاصة تمثل أحد أهم مفاتيح العلاقة المالية غير المتوازنة بين الاقتصاد الفلسطيني وإسرائيل. فالمقاصة ليست منحة إسرائيلية ولا مساعدة مالية، بل هي أموال فلسطينية تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، ثم يفترض أن تحولها شهرياً إلى الخزينة الفلسطينية.
وتتكون أموال المقاصة أساساً من الجمارك على الواردات، وضريبة القيمة المضافة، وضريبة الشراء، وضريبة المحروقات المعروفة بـ"البلو"، ورسوم وضرائب أخرى مرتبطة بالاستيراد والتبادل التجاري، إضافة إلى ضريبة الدخل على أجور العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل والمستوطنات. وتشير موازنة المواطن الصادرة عن وزارة المالية الفلسطينية لعام 2025 إلى أن المقاصة تشمل ضرائب دخل العمال في إسرائيل والمستوطنات، وضريبة القيمة المضافة وضريبة الشراء على الواردات من إسرائيل، والجمارك على الواردات.
بمعنى آخر، فإن مصدر أموال المقاصة هو حركة الاستيراد والاستهلاك والعمل الفلسطيني، وليس أموالاً إسرائيلية. غير أن إسرائيل تتحكم بجبايتها وتحويلها لأنها تسيطر على المعابر والموانئ ونظام الفوترة والتقاص، وهو ما يمنحها قدرة مباشرة على التأثير في مالية السلطة الفلسطينية والسيولة المتدفقة إلى السوق.
في الوضع الطبيعي، كانت إيرادات المقاصة تشكل العمود الفقري للمالية العامة الفلسطينية، بمعدل شهري يقارب 800 إلى 850 مليون شيكل قبل موجة الاقتطاعات الواسعة التي بدأت بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023. وكانت هذه الأموال تدخل في دورة مالية واسعة: رواتب موظفين، مدفوعات للقطاع الخاص، مستحقات للموردين، إنفاق حكومي، ثم طلب في الأسواق، ثم إيداعات وتحصيلات وضرائب جديدة.
لكن هذه الدورة تعرضت لضربة كبيرة مع تزايد الاقتطاعات الإسرائيلية. ففي أيار/مايو 2024، على سبيل المثال، وصلت المقاصة الفعلية المحولة إلى نحو 228.6 مليون شيكل فقط بسبب الاقتطاعات. أما على مستوى عام 2024، فقد بلغ إجمالي إيرادات المقاصة الفلسطينية، بعد خصم العمولة الإدارية الإسرائيلية، نحو 9.8 مليار شيكل، لكن السلطة لم تتسلم سوى 4.43 مليار شيكل، أي حوالي 45% فقط من إجمالي الإيرادات.
وشملت الاقتطاعات في ذلك العام نحو 2.42 مليار شيكل تحت بند صافي الإقراض، إضافة إلى نحو 3.02 مليار شيكل تحت ذرائع تتعلق بمخصصات غزة والأسرى وعائلات الشهداء. ويشمل صافي الإقراض مبالغ تخصمها إسرائيل مقابل فواتير الكهرباء والمياه والصرف الصحي والخدمات الطبية المتراكمة على شركات توزيع وهيئات محلية فلسطينية. وبحسب مسح لبيانات وزارة المالية، بلغ هذا البند في عام 2024 نحو 2.42 مليار شيكل.
وتعد المحروقات من أكبر مصادر المقاصة، لأنها لا تولد فقط ضريبة قيمة مضافة، بل أيضاً ضريبة خاصة كبيرة هي ضريبة المحروقات أو "البلو". وبحسب بيانات منسوبة إلى وزارة المالية الفلسطينية لعام 2025، جاءت الجمارك على السلع المستوردة عبر المقاصة أولاً بقيمة 4.55 مليار شيكل، ثم ضريبة المحروقات/البلو ثانياً بقيمة 3.42 مليار شيكل، ثم ضريبة القيمة المضافة على السلع المستوردة والقادمة من إسرائيل بقيمة 2.35 مليار شيكل. وتوضح هذه الأرقام لماذا تشكل المقاصة رقماً ضخماً في المالية الفلسطينية، فهي لا تأتي من بند واحد، بل من الجمارك والمحروقات وضريبة القيمة المضافة وضرائب الاستهلاك والعمل.
ومنذ الحرب على غزة، وخصوصاً في ظل سياسات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، تحولت المقاصة من ملف مالي تنظيمي إلى أداة ضغط سياسية ومالية. فحجب المقاصة أو اقتطاع أجزاء كبيرة منها لا يعني فقط حرمان السلطة من دفع رواتب موظفيها في موعدها، بل يعني أيضاً سحب كتلة سيولة كبيرة من الدورة الاقتصادية الفلسطينية، وإضعاف قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه القطاع الخاص والموردين والموظفين.
وهنا تتقاطع أزمة المقاصة مع أزمة فائض الشيكل. فإسرائيل تتحكم في مسارين حاسمين في الوقت نفسه: الأول هو تحويل أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية، والثاني هو قبول أو رفض فائض الشيكل المتراكم في البنوك الفلسطينية. وفي الحالتين، يجد الاقتصاد الفلسطيني نفسه أمام معادلة شديدة الاختلال: أموال فلسطينية تُجبى عبر إسرائيل، وعملة إسرائيلية تُستخدم داخل السوق الفلسطينية، لكن القرار النهائي في تحويل الإيرادات أو امتصاص فائض النقد يبقى بيد الجانب الإسرائيلي.
ويرى الخبير المالي د. محمود جمال شوخة أن احتجاز أموال المقاصة والقيود على إعادة فائض الشيكل يمثلان وجهين لضغط مالي واحد، إذ يؤديان معاً إلى اختلال مزدوج في هيكل السيولة: تراجع في السيولة الإلكترونية القابلة للاستخدام من جهة، وتراكم في النقد الورقي داخل البنوك من جهة أخرى.
لذلك، فإن أزمة الشيكل ليست ناتجة فقط عن فائض نقدي طبيعي، وليست أيضاً مجرد قرار مصرفي فلسطيني داخلي. العاملان حاضران معاً. هناك فائض شيكل حقيقي ناتج عن طبيعة الاقتصاد الفلسطيني وتدفق النقد من إسرائيل والداخل والتجارة، لكن هذا الفائض تحول إلى أزمة خانقة لأن إسرائيل تتحكم بمخرجه، وتضيّق هذا المخرج لأسباب سياسية وأمنية ومصرفية.
ومن هنا يصبح السؤال المركزي في التحقيق: هل نحن أمام أزمة سيولة ناتجة عن خلل فني في إدارة فائض العملة، أم أمام استخدام إسرائيلي متعمد للأدوات المالية، من المقاصة إلى سقوف شحن الشيكل وعلاقات المراسلة البنكية، لتجفيف السلطة الفلسطينية وإرباك الاقتصاد؟ الأرجح أن الإجابة تقع في المساحة بين الاثنين: أزمة اقتصادية حقيقية، لكنها تُدار إسرائيلياً بطريقة تجعل آثارها أكثر قسوة على البنوك والتجار والمواطنين.
الرواية الإسرائيلية: بين مخاوف غسل الأموال وسقف لا يواكب حجم السوق
في مقابل الرواية الفلسطينية التي ترى أن جوهر الأزمة يكمن في السقف الإسرائيلي المنخفض المفروض على شحن فائض الشيكل، تقدم المصادر الإسرائيلية تفسيراً آخر يربط الأزمة باعتبارات تنظيمية وأمنية وقانونية، تتعلق بمصدر النقد المتراكم في البنوك الفلسطينية، وبمخاوف غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبحاجة البنوك الإسرائيلية إلى غطاء قانوني عند التعامل مع البنوك الفلسطينية.
وبحسب ما تنقله وسائل إعلام إسرائيلية، ومنها موقع ynet، فإن جزءاً من فائض الشيكل في البنوك الفلسطينية يعود إلى التجارة الطبيعية وحركة السوق اليومية، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى مصادر تعتبرها إسرائيل "إشكالية"، مثل تعاملات نقدية غير مصرح عنها، أو تهرب ضريبي، أو صفقات نقدية لا تمر عبر قنوات مصرفية منظمة، إضافة إلى شراء أراضٍ وخدمات داخل الضفة الغربية، واحتمالات غسل أموال. غير أن هذه تبقى رواية إسرائيلية للأزمة، وليست حكماً مثبتاً على كل الأموال المتراكمة داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني.
وتقول الرواية الإسرائيلية إن البنوك الفلسطينية مطالبة بالالتزام بمعايير دولية لمكافحة غسل الأموال، بينما تطلب البنوك الإسرائيلية شفافية كاملة بشأن مصدر الأموال قبل استقبالها. وهذا الاشتراط، وفق التقارير الإسرائيلية، ساهم في تعقيد عملية إعادة فائض الشيكل، خصوصاً في ظل اعتماد السوق الفلسطينية الواسع على النقد، ووجود تدفقات نقدية كبيرة من العمال والتجارة وفلسطينيي الداخل والذهب والعقارات.
كما يشير بنك إسرائيل، في تعليمات سابقة، إلى ضرورة تشديد الفحص على التحويلات والشيكات القادمة من البنوك العاملة في مناطق السلطة الفلسطينية، بما يشمل التحقق من بيانات أطراف العمليات المالية وفحصها في سياق مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتربط مصادر مصرفية إسرائيلية ذلك أيضاً بحاجة البنوك الإسرائيلية التي تتعامل مع البنوك الفلسطينية إلى حصانة وتعويض قانوني، خشية تعرضها لملاحقات أو عقوبات إذا جرى لاحقاً التشكيك في مصدر الأموال.
لكن تقارير إسرائيلية أخرى، بينها ما نشرته Jerusalem Post وTimes of Israel، تقر بأن السقف الحالي لإعادة فائض الشيكل، والمقدر بنحو 18 مليار شيكل سنوياً، أي حوالي 1.5 مليار شيكل شهرياً، لم يعد يعكس حجم الاقتصاد الفلسطيني ولا حجم النقد المتداول في السوق. ووفق هذه التقارير، فإن البنوك الفلسطينية لا تستطيع إعادة فائض الشيكل مباشرة إلى بنك إسرائيل، وإنما يتم ذلك عبر بنكين إسرائيليين فقط، هما بنك هبوعليم وبنك ديسكونت، ما يجعل العملية محكومة بسقف ضيق وقنوات محدودة.
وتحذر هذه التقارير من أن تعطيل إعادة النقد أو إبقاء السقف دون الحاجة الفعلية لا يضر الفلسطينيين وحدهم، بل قد يهدد أيضاً قدرة البنوك الفلسطينية على تمويل التجارة مع إسرائيل ودفع مستحقات الموردين الإسرائيليين، لأن النقد المتراكم في الخزائن لا يتحول تلقائياً إلى أرصدة مصرفية قابلة للاستخدام في التحويلات والتسويات.
وبذلك، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف فني حول نقل العملة، بل تعكس صداماً بين اقتصاد فلسطيني يستخدم الشيكل كعملة رئيسية دون أن يملك سلطة إصداره أو امتصاص فائضه، وبين نظام مصرفي إسرائيلي يتعامل مع النقد القادم من السوق الفلسطينية باعتباره ملفاً مصرفياً وأمنياً وسياسياً في آن واحد. فالرواية الإسرائيلية تركز على مصدر الأموال ومخاطر الامتثال، بينما تركز الرواية الفلسطينية على أن إسرائيل تستفيد من استخدام الفلسطينيين للشيكل، ثم ترفض توفير قناة كافية ومنتظمة لإعادة امتصاص فائضه.
سقف الشحن: 1.5 مليار شيكل شهرياً لا يعيد التوازن
توضح سلطة النقد الفلسطينية، في صفحة "أسئلة وأجوبة حول أزمة تكدس الشيكل في المصارف" المنشورة على موقعها الرسمي، أن المصارف الفلسطينية كانت تشحن إلى البنوك الإسرائيلية، قبل الحرب، ما معدله 4.5 مليار شيكل كل ثلاثة أشهر، أي نحو 1.5 مليار شيكل شهرياً. غير أن هذه الآلية تعطلت أو تراجعت بفعل القيود الإسرائيلية، ما أدى إلى تراكم كميات كبيرة من النقد داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني.
وتتفاوت التقديرات بشأن حجم فائض الشيكل المتراكم، إذ تشير تقديرات دولية إلى نحو 16 مليار شيكل في نهاية 2025، فيما تقدر مصادر مصرفية فلسطينية الفائض بما يزيد على 17 مليار شيكل. أما سقف الشحن السنوي المتاح، فتشير تقارير إسرائيلية إلى أنه يدور حول 18 مليار شيكل سنوياً، أي نحو 1.5 مليار شيكل شهرياً. وفي المقابل، تشير تقديرات دولية حديثة إلى أن فائض النقد المتراكم بلغ مستويات خطيرة، بالتوازي مع تراجع الأرصدة الرقمية القابلة للاستخدام في حسابات المراسلة والتسويات الخارجية.
وتقول سلطة النقد إنها تواصل اتصالاتها مع الجهات الدولية والإقليمية للضغط على الجانب الإسرائيلي من أجل استئناف عمليات شحن فائض الشيكل بصورة منتظمة، وبما يحافظ على استقرار الجهاز المصرفي واستمرار تقديم الخدمات المالية للمواطنين والقطاع الخاص.
لكن السؤال الأهم: هل يكفي شحن 1.5 مليار شيكل شهرياً لإعادة التوازن إلى السوق؟
الإجابة، وفق معطيات التدفقات النقدية، تبدو أقرب إلى النفي. فهذا السقف قد يكون عكس في مرحلة سابقة حجم النقد القابل للشحن، لكنه لم يعد كافياً مقارنة بحجم الاقتصاد الفلسطيني وحجم النقد الداخل إلى الضفة الغربية من مصادر متعددة. فإذا كان دخل العمال الفلسطينيين في إسرائيل وحده يضخ مليارات الشواكل سنوياً في السوق، وإذا أضيف إليه إنفاق فلسطينيي الداخل، والتجارة مع إسرائيل، والتداولات النقدية في المحروقات والمواد الغذائية، وشراء الذهب والعقارات، فإن سقف 1.5 مليار شيكل شهرياً يبدو أقل من التدفقات الفعلية التي يعاد ضخها في السوق ثم تصل تدريجياً إلى البنوك.
بمعنى آخر، تسمح إسرائيل بخروج جزء من فائض الشيكل، لكنها لا تسمح بخروج ما يكفي لإعادة التوازن. والنتيجة أن البنوك الفلسطينية تمتلئ بالنقد الورقي، لكنها تعاني في الوقت نفسه من نقص في السيولة الإلكترونية القابلة للاستخدام في التحويلات الخارجية وتسوية المدفوعات التجارية مع إسرائيل.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر في الأزمة: المال موجود في الخزائن، لكنه لا يؤدي وظيفته المصرفية كاملة. هناك وفرة نقدية داخلية، لكنها لا تتحول بسهولة إلى أرصدة فعالة في حسابات المراسلة. لذلك تبدو البنوك، في الوقت نفسه، غارقة بالنقد ومقيدة في قدرتها على تمويل التجارة وتحويل الأموال.
ومن هذه الزاوية، لا تكون المشكلة في وجود الشيكل فقط، بل في اختلال دورة خروجه. فكلما استمر دخول النقد إلى السوق الفلسطينية من العمال والتجارة والداخل، من دون قناة كافية ومنتظمة لإعادته إلى النظام المصرفي الإسرائيلي، ستبقى البنوك الفلسطينية أمام فائض ورقي متراكم، وستبقى السوق تدفع الثمن عبر قيود الإيداع والشيكات واتساع دور الصرافة والسوق الموازية.
ويوضح الدكتور محمود شوخة أن اعتماد البنوك الفلسطينية على البنوك الإسرائيلية يتركز أساساً في تسوية معاملات الشيكل، بينما تتم التحويلات الدولية وتوفير الدولار واليورو عبر شبكة البنوك المراسلة الدولية. ولذلك فإن امتلاك كميات كبيرة من الشيكل النقدي لا يعني بالضرورة امتلاك سيولة قابلة للاستخدام في التجارة الدولية.
حين يصبح المال غير قابل للإيداع: شيكات ترتد وتجارة تختنق
لم تعد أزمة فائض الشيكل محصورة في خزائن البنوك أو بيانات سلطة النقد، بل انتقلت إلى قلب السوق. فمع تقييد عدد من البنوك لإيداع النقد بالشيكل، والحد من إصدار دفاتر الشيكات، وتقليص قدرة العملاء على شراء العملات الأجنبية، وجد تجار ومواطنون أنفسهم أمام مفارقة قاسية: يملكون المال نقداً، لكنهم لا يستطيعون إدخاله إلى حساباتهم المصرفية لتغطية شيكاتهم أو تسوية التزاماتهم.
ويقول متعاملون في السوق إن بعض البنوك باتت تضع سقوفاً متدنية وغير موحدة للإيداعات النقدية، تختلف من بنك إلى آخر ومن عميل إلى آخر، في حين أصبح الحصول على دفتر شيكات جديد أكثر صعوبة، لا سيما للحسابات التي تتعامل بكثافة مع الشيكل. كما يشير متعاملون إلى أن شراء الدولار أو الدينار من داخل البنوك أصبح محدوداً في حالات كثيرة، بينما تبقى أسعار الصرف داخل الجهاز المصرفي أقل جاذبية من أسعار السوق، ما يدفع العملاء إلى البحث عن بدائل خارج البنوك.
ويرى تجار أن الحد من إصدار دفاتر الشيكات لا ينفصل عن أزمة الإيداع نفسها، إذ إن الشيكات المؤجلة تفرض على صاحبها لاحقاً إيداع نقد لتغطيتها. وبذلك، فإن تقليص الشيكات يصبح وسيلة غير مباشرة لتقليل تدفق النقد إلى البنوك، لكنه في المقابل يضرب واحدة من أهم أدوات الائتمان التجاري في السوق الفلسطينية.
وقال رئيس نقابة تجارة المواد الغذائية، وسيم الجعبري، إن أزمة الإيداعات النقدية لدى البنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية مستمرة منذ أكثر من عام ونصف دون حلول جذرية، مشيراً إلى أنها تسببت في صعوبات كبيرة أمام الشركات والتجار، وأثرت بصورة مباشرة على الحركة التجارية.
وأوضح الجعبري أن الشركات التجارية، ولا سيما الكبرى منها، تواجه تحديات متزايدة في إيداع الأموال وإدارة حساباتها البنكية، لافتاً إلى أن بعض الشركات باتت تصطدم بعراقيل مرتبطة بقبول الإيداعات وإجراءات البنوك، ما أدى إلى تعطل جزء من عملياتها التجارية.
وأضاف: "ما زالت البنوك ترفض منح التجار دفاتر شيكات، وهناك العديد من التجار عادت شيكاتهم لعدم توفر الرصيد في حساباتهم، رغم أنهم يمتلكون الأموال النقدية، إلا أنهم لا يستطيعون إيداعها لتغطية أرصدتهم وشيكاتهم بسبب رفض إدارات البنوك قبول الإيداعات".
وأشار الجعبري إلى أن سقوف الإيداع ليست واضحة أو موحدة، قائلاً: "لا توجد سقوف محددة للتجار، لكنها تختلف من تاجر إلى آخر ومن بنك إلى آخر، وهناك بنك حدد لي سقف الإيداع بـ2300 شيكل فقط".
وأكد أن هذه الإجراءات أضعفت قدرة الشركات على إدارة تدفقاتها المالية، وأثرت في عمليات البيع الآجل التي تعتمد عليها قطاعات واسعة مثل تجارة المواد الغذائية والسيارات والعقارات ومواد البناء، مضيفاً: "البنوك صنعت سوقاً موازية، ودفعت بالتجار باتجاه شركات الصرافة".
من جانبه، قال تاجر المواد الغذائية بسام أبو زينة إن الأزمة تمتد إلى مختلف المحافظات الفلسطينية، موضحاً أن التجار باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في التعاملات البنكية. وأضاف أن بعض التجار اضطروا إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة لتسيير أعمالهم، ما رتب عليهم أعباء مالية إضافية، مؤكداً أن استمرار الوضع الحالي يؤثر على التجار والمحال التجارية ويزيد الضغوط المرتبطة بتلبية احتياجات السوق.
وقال أحد تجار الخضار لـ"معا": "البنوك ترفض إيداعاتي بعملة الشيكل، ويطلبون مني الإيداع بالدينار أو الدولار الأمريكي. هذا يضطرني إلى شراء الدولار من السوق، ثم إيداعه في حسابي بالبنك، وبعد ذلك أحوله داخل البنك إلى العملة التي أحتاجها، وفي كل مرة أخسر جزءاً من أموالي نتيجة فروقات أسعار الصرف والعمولات".
وأشار إلى أن عدداً كبيراً من تجار الخضار يعانون المشكلة ذاتها، ما يدفعهم إلى شراء العملات الأجنبية من السوق بدلاً من البنوك لتسيير أعمالهم اليومية، وهو ما يعزز الطلب على الدولار والدينار خارج القنوات المصرفية التقليدية.
ولا تقف الأزمة عند قطاع المواد الغذائية والخضار. ففي قطاع السيارات، يقول تجار إن تراجع قدرة الزبائن والتجار على استخدام الشيكات انعكس مباشرة على حركة البيع، لأن جزءاً كبيراً من صفقات السيارات كان يتم عبر دفعات مؤجلة وشيكات شهرية. ومع تشديد البنوك إجراءات إصدار الشيكات أو تغطيتها، أصبح التجار أكثر تحفظاً في البيع، فيما اضطر بعض الزبائن إلى تأجيل الشراء أو البحث عن حلول نقدية.
وفي قطاع مواد البناء، يقول تجار ومقاولون إن الأزمة أصابت حركة الإنشاءات بصورة مباشرة، لأن العلاقة بين الموردين والمقاولين وأصحاب المشاريع تعتمد إلى حد كبير على الائتمان التجاري والشيكات المؤجلة. وعندما تتعطل هذه الأداة، تتباطأ المشاريع، وترتفع كلفة التعاملات اليومية، ويتراجع استعداد الموردين للبيع بالأجل.
أما في المحال الصغيرة والقرى والمناطق الطرفية، فتبدو الأزمة أكثر التصاقاً بالحياة اليومية. فهؤلاء لا يتعاملون دائماً مع زبائن يملكون بطاقات أو محافظ إلكترونية، ولا يملكون جميعاً أجهزة دفع إلكتروني أو قدرة على تحمل كلفتها. وقال نعمان صبيح، وهو صاحب فرن: "كيف تريدونني أن أبيع ربطة الخبز بغير النقد؟ وكيف أودع ثمن البيع في البنك حتى أشتري الطحين واحتياجات الفرن؟".
وتكشف شهادات أخرى أن بعض التجار لجأوا إلى حلول التفافية لتغطية شيكاتهم، من بينها إيداع النقد في حسابات أصدقاء أو أقارب، ثم تحويل المبلغ لاحقاً إلى حساباتهم البنكية، في محاولة لتجاوز سقوف الإيداع. غير أن هذه الطرق، وإن ساعدت بعضهم مؤقتاً، تفتح الباب أمام تعاملات أقل وضوحاً، وتزيد العبء على العملاء والبنوك معاً.
حتى الطلاب لم يكونوا بعيدين عن تعقيدات الأزمة. ويقول الطالب أحمد إنه حصل من والده على مبلغ بالدولار لدفع قسطه الجامعي الذي يُسدّد بالشيكل، فطلب منه والده تصريف الدولار إلى شيكل لدى صراف قريب من البنك لأن سعر الصرف في السوق كان أفضل من السعر المعتمد داخل البنك. وبعد إيداع المبلغ في حسابه ودفع القسط عبر التطبيق، تلقى بعد يومين اتصالاً من البنك يطلب حضوره إلى الفرع للاستفسار عن مصدر المال. وأضاف: "قلت لهم إن المبلغ من والدي، فطلبوا إثبات دخل للاب، رغم أن المبلغ لا يتجاوز ما قيمته 2100 شيكل، واضطررت فعلاً إلى إحضار رسالة من مكان عمل والدي تثبت أنه موظف في مؤسسة".
وتعكس هذه الشهادة جانباً آخر من الأزمة؛ فإجراءات الامتثال ومعرفة مصدر الأموال ضرورية في العمل المصرفي، لكنها عندما تطبق على مبالغ صغيرة وبطريقة مرهقة، تتحول في نظر المواطنين إلى عبء إضافي، وتزيد الشعور بأن التعامل مع البنك أصبح أكثر تعقيداً من التعامل النقدي المباشر.
في الاقتصاد الفلسطيني، لا يمثل الشيك مجرد ورقة دفع، بل أداة ائتمان رئيسية تقوم عليها قطاعات واسعة من التجارة. تاجر المواد الغذائية يبيع للمحال بالآجل، ومعرض السيارات يبيع للمشتري عبر دفعات، وتاجر مواد البناء يزود المقاول مقابل شيكات مؤجلة، والمورد يمنح البضاعة اليوم ليقبض ثمنها لاحقاً.
لذلك، عندما تتوقف البنوك عن إصدار دفاتر الشيكات أو تقلصها، فإنها لا تقلل المخاطر المصرفية فقط، بل توقف جزءاً من دورة البيع. وعندما لا يستطيع التاجر إيداع النقد لتغطية شيكه، يعود الشيك، وتتضرر سمعته، وتهتز الثقة بين التجار، ويتراجع الاستعداد للبيع بالأجل.
وهنا تنتقل أزمة فائض الشيكل من خزنة البنك إلى قلب السوق: مبيعات تتراجع، صفقات تتعطل، طلب متزايد على النقد، خوف من البيع المؤجل، ولجوء أكبر إلى شركات الصرافة والسوق الموازية. وبذلك يتحول العلاج المصرفي للأزمة، إذا لم يدار بتوازن، إلى سبب إضافي لخنق التجارة الداخلية.
البنوك أيضاً تحت الضغط
في المقابل، لا تبدو البنوك الفلسطينية خارج دائرة الأزمة، فهي نفسها تواجه ضغوطاً تشغيلية ومصرفية معقدة. فاحتفاظها بكميات كبيرة من النقد الورقي بالشيكل يرفع كلفة التخزين والتأمين والحراسة، ويزيد المخاطر التشغيلية، في وقت تعمل فيه ضمن قيود يفرضها الجانب الإسرائيلي على شحن فائض الشيكل، إضافة إلى متطلبات الامتثال ومكافحة غسل الأموال ومعرفة مصدر الأموال.
وتقول مصادر مصرفية إن البنوك لا تستطيع التعامل مع فائض الشيكل باعتباره مجرد نقد متاح للاستخدام، لأن النقد المتراكم في الخزائن لا يتحول تلقائياً إلى سيولة مصرفية قابلة للتوظيف في التحويلات الخارجية أو في حسابات المراسلة مع البنوك الإسرائيلية. وبذلك تجد البنوك نفسها أمام مفارقة صعبة: خزائن ممتلئة بالنقد، لكن قدرة محدودة على تحويل هذا النقد إلى أرصدة مصرفية فعالة.
ويشرح الخبير المالي د. محمود جمال شوخة أن النقد المتراكم داخل خزائن البنوك يرفع تكاليف التخزين والتأمين والحراسة، ويزيد المخاطر التشغيلية، ويحد من قدرة البنوك على استقبال إيداعات جديدة، مشيراً إلى أن إدارة هذه المخاطر عبر تقييد الإيداعات والشيكات نقلت جزءاً كبيراً من العبء إلى التجار والشركات.
غير أن التجار يرون أن تحميل السوق كلفة الأزمة عبر تقليص الإيداعات والحد من إصدار الشيكات لا يشكل حلاً مستداماً، بل يدفع جزءاً من النشاط الاقتصادي إلى خارج القنوات المصرفية المنظمة، ويضعف الثقة بأدوات الدفع التي اعتمدت عليها التجارة الفلسطينية لعقود. وبين ضغوط البنوك ومصالح التجار، تبقى الحاجة ملحة إلى آلية واضحة توازن بين متطلبات الامتثال وإدارة المخاطر من جهة، واستمرار الدورة التجارية من جهة أخرى.
السوق الموازية: الخطر الذي يكبر بصمت
أدت القيود المصرفية على الإيداعات النقدية وشراء العملات إلى تغيير واضح في سلوك المتعاملين. فبدلاً من إنجاز معاملاتهم عبر البنوك كما كان معتاداً، اتجه عدد متزايد من التجار والأفراد إلى الدفع النقدي أو اللجوء إلى شركات الصرافة لتبديل العملات وتوفير السيولة اللازمة لتسيير أعمالهم اليومية.
وقال الصيرفي طاهر عابدين إن شركات الصرافة تشهد خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على خدماتها، نتيجة التغيرات التي طرأت على احتياجات السوق، وازدياد اعتماد قطاعات واسعة على السيولة النقدية، خصوصاً في ظل صعوبة إنجاز بعض العمليات المصرفية بالسرعة أو المرونة المطلوبة.
وأضاف صيرفي آخر، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن شركات الصرافة أصبحت تستقبل شريحة أكبر من العملاء الذين يبحثون عن حلول أسرع لتبديل العملات أو تنفيذ معاملاتهم المالية، مؤكداً في الوقت ذاته أن البنوك ما تزال تشكل الركيزة الأساسية لإدارة الحسابات والودائع والخدمات المصرفية المختلفة.
غير أن اتساع دور شركات الصرافة لا يقف عند حدود تلبية حاجة السوق للسرعة والسيولة، بل يعكس أيضاً اتساع الفجوة بين أسعار صرف العملات داخل البنوك وأسعارها في السوق. ويرى مراقبون أن استمرار القيود على الإيداعات، إلى جانب ارتفاع الطلب على الدولار والدينار، خلق واقعاً غير مألوف في السوق الفلسطينية، خصوصاً بالنسبة للدينار الأردني، وبدرجة أقل الدولار الأمريكي.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في يوميات التجار. فتاجر الخضار الذي لا يستطيع إيداع الشيكل في حسابه يضطر إلى شراء الدولار أو الدينار من السوق، ثم يودعه في البنك، ثم يخسر مرة أخرى عند التحويل بين العملات داخل النظام المصرفي. وبذلك لا تبقى الأزمة داخل البنك، بل تنتقل كلفتها إلى التاجر، ثم إلى المستهلك من خلال ارتفاع تكاليف التداول والتسعير.
ومع مرور الوقت، تتحول فروقات أسعار الصرف إلى ما يشبه ضريبة غير معلنة على التجارة. فكلما زادت القيود المصرفية، زاد الطلب على العملات الأجنبية خارج الجهاز المصرفي، واتسع هامش السوق الموازية، وتراجعت قدرة القنوات الرسمية على استيعاب حركة الأموال ومراقبتها.
وهنا يكمن الخطر الأوسع: فالتضييق على القنوات المصرفية الرسمية دون توفير بدائل عملية لا يقلل المخاطر بالضرورة، بل قد يدفع جزءاً من النشاط المالي إلى الظل. وبدلاً من أن تؤدي الإجراءات إلى ضبط النقد وتقليل التعاملات غير المنظمة، قد تساهم، إذا طال أمدها، في توسيع السوق الموازية وتعزيز الاعتماد على النقد خارج الرقابة المصرفية.
البعد السياسي للأزمة: هل تحولت أدوات المال إلى وسيلة ضغط؟
من الناحية الصحفية، لا يمكن الجزم بالنية إلا من خلال تصريحات وسياسات موثقة. لكن يمكن القول إن سياسات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، كما ظهرت في حجب المقاصة والضغط على علاقات البنوك الإسرائيلية مع البنوك الفلسطينية، تتجاوز الإدارة الفنية للأزمة إلى استخدام المال كأداة سياسية.
فحجب المقاصة يضرب قدرة السلطة على دفع الرواتب. والتهديد أو التعطيل المتكرر لعلاقات المراسلة البنكية يهدد قدرة البنوك الفلسطينية على العمل مع النظام المالي الإسرائيلي والدولي. وتقييد شحن الشيكل يجعل النقد يتكدس في الخزائن، ويدفع البنوك الفلسطينية إلى تقليص الإيداعات والشيكات.
هذه ليست إجراءات منفصلة. هي حلقات في سلسلة ضغط واحدة: تجفيف مالي للسلطة، تضييق مصرفي على البنوك، وتعطيل قدرة السوق على العمل بصورة طبيعية.
لكن، في المقابل، يجب عدم تبسيط القصة. فأزمة فائض الشيكل ليست وليدة سموتريتش وحده، بل سبقت الحرب وسبقت هذه الحكومة. الجديد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية جعلت الأزمة أكثر حدة، وأكثر سياسية، وأقل قابلية للحل الفني السريع.
هل الإفراج عن أموال المقاصة يحل الأزمة؟
الإفراج عن أموال المقاصة ضروري جداً، لكنه لا يحل أزمة فائض الشيكل وحده.
تحويل المقاصة سيعيد جزءاً مهماً من السيولة إلى السلطة والموظفين والأسواق، ويخفف أزمة الرواتب والطلب الداخلي، ويعيد بعض الثقة. كما أنه يوفر أرصدة إلكترونية يمكن استخدامها لتسوية بعض المدفوعات والالتزامات.
لكن المشكلة الأساسية في فائض الشيكل هي وجود نقد ورقي متراكم في خزائن البنوك. هذا النقد يحتاج إلى شحن فعلي إلى الجانب الإسرائيلي أو إلى آلية تحويله إلى سيولة مصرفية إلكترونية قابلة للاستخدام. فإذا أفرجت إسرائيل عن المقاصة لكنها أبقت سقف شحن الشيكل عند مستوى غير كافٍ، ستتحسن مالية السلطة، لكن أزمة النقد الورقي ستبقى.
لذلك، الحل الحقيقي يحتاج إلى مسارين معاً: الإفراج عن المقاصة، ورفع سقف شحن الشيكل أو إنشاء آلية دائمة لتحويل النقد المتراكم إلى أرصدة مصرفية قابلة للتسوية.
هل يمكن حل المشكلة فلسطينياً؟
فلسطينياً، يمكن تخفيف الأزمة، لكن لا يمكن حلها جذرياً دون إسرائيل، لأن العملة إسرائيلية ومخرجها بيد إسرائيل.
ومع ذلك، هناك إجراءات فلسطينية داخلية قد تزيد الأزمة إذا لم تُدار بحذر. فعندما ترفض البنوك استقبال النقد أو تقلص الإيداعات إلى حدود غير واقعية، فإنها لا تلغي النقد من السوق، بل تدفعه إلى خارج النظام المصرفي. وعندما تحد من دفاتر الشيكات، فإنها تضرب البيع الآجل، وتشل قطاعات تعتمد على الشيكات مثل السيارات، العقارات، الأغذية، ومواد البناء.
وهنا يظهر الخطر الأكبر: الإجراءات التي يفترض أن تحمي النظام المصرفي قد تؤدي عملياً إلى توسيع السوق الموازية. فالتاجر الذي لا يستطيع إيداع الشيكل، ولا يستطيع الحصول على شيكات، ولا يستطيع شراء الدولار أو الدينار من البنك بالسعر المناسب، سيتجه إلى الصرافة أو السوق غير الرسمية. وهذا يخلق فجوة سعرية، ويزيد كلفة التداول، ويفتح الباب أمام تعاملات أقل شفافية.
بكلمات أخرى: منع النقد من دخول البنك لا يعني التخلص من النقد؛ بل يعني تركه يدور في الشارع.
التحول الرقمي... قناعة أم إجبار؟
ورغم قناعة معظم المتعاملين بأن أزمة فائض الشيكل أزمة حقيقية، فإن الشارع الفلسطيني يشهد نقاشاً واسعاً حول ما إذا كانت الإجراءات المصرفية الحالية تقتصر على إدارة الأزمة، أم أنها تشكل أيضاً وسيلة غير مباشرة لتسريع التحول نحو وسائل الدفع الإلكتروني، بدلاً من الاعتماد على حملات التوعية والإقناع التقليدية.
ولم تعلن سلطة النقد أو البنوك أن هذه الإجراءات تهدف إلى فرض التحول الرقمي، إلا أن هذا التساؤل بات يتردد على نطاق واسع بين التجار والمواطنين، في ظل تراجع خيارات التعامل النقدي.
ويرى مختصون أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي يمثل هدفاً مشروعاً، لكنه يحتاج إلى بنية تحتية متكاملة، تشمل انتشار المحافظ الإلكترونية، وتوسيع قبول وسائل الدفع في الأسواق، ومعالجة أوضاع الفئات التي لا تستطيع الاستفادة من الخدمات المصرفية، مثل العمال وأصحاب المشاريع الصغيرة وسكان المناطق الريفية.
كما يحذر اقتصاديون من أن أي انتقال غير مدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل في توسع الاقتصاد النقدي غير المنظم، وزيادة الاعتماد على السوق الموازية في تداول العملات، بما قد يصعب عمليات الرقابة المالية ويزيد من مخاطر الأنشطة المالية غير الرسمية.
الكمبيالة... أحد الحلول المطروحة
وفي سياق البحث عن حلول لتسهيل حركة التجارة، يطرح المحكم القانوني والشرعي الدكتور هشام حميدان الشرباتي تصوراً لتطوير استخدام الكمبيالة التجارية بما يعزز قابليتها للتداول والتنفيذ، مع المحافظة على طبيعتها القانونية.
ويقوم المقترح على منح الكمبيالة مزيداً من الضمانات القانونية، مثل التحديد الدقيق لهوية أطرافها، وإمكانية إرفاقها بكفالات أو رهونات، وتحديد الاختصاص القضائي وموطن التبليغ، بما يعزز الثقة بها ويقلل من النزاعات، ويجعلها أداة ائتمان أكثر فاعلية في التعاملات التجارية في ظل القيود الحالية.
ويؤكد الشرباتي أن الهدف من هذه الرؤية ليس استبدال الشيك أو تعديل الطبيعة القانونية للكمبيالة، وإنما توسيع الخيارات المتاحة أمام التجار وأصحاب الأعمال بما يسهم في الحفاظ على انسيابية الحركة التجارية.
قراءة اقتصادية: أزمة نقد ورقي لا أزمة عملة
يرى الخبير المالي د. محمود جمال شوخة، دكتوراه في المحاسبة والتمويل، أن وصف ما يجري بـ"أزمة الشيكل" لا يعكس حقيقة المشكلة بدقة، لأن الأزمة لا تتمثل في نقص العملة أو تراجع قيمتها أو انهيار النظام المصرفي، بل في تكدس كميات ضخمة من النقد الورقي بالشيكل داخل البنوك الفلسطينية، نتيجة تعطل الدورة الطبيعية لإعادة تدويره مع النظام المصرفي الإسرائيلي.
ويوضح شوخة أن الشيكل كان يدخل إلى السوق الفلسطينية عبر أجور العمال، والتجارة، والإنفاق الاستهلاكي، ثم تجمعه البنوك الفلسطينية وتشحن فائضه إلى البنوك الإسرائيلية، ليعاد قيده إلكترونياً في حساباتها، بما يتيح استخدامه لاحقاً في تمويل التجارة وتسوية المدفوعات. لكن القيود المفروضة على إعادة الشحن قطعت الحلقة الأخيرة من هذه الدورة، فبقي النقد داخل الخزائن دون أن يتحول إلى سيولة مصرفية فعالة.
ويعتبر شوخة أن احتجاز أموال المقاصة والقيود على شحن فائض الشيكل يمثلان معاً اختلالاً مزدوجاً في هيكل السيولة الفلسطينية: نقصاً في السيولة الإلكترونية المتاحة من جهة، وتراكماً في النقد الورقي من جهة أخرى. وهذا الاختلال، بحسبه، ينعكس على قدرة الشركات على إدارة تدفقاتها المالية، وعلى سرعة دوران رأس المال، وكلفة ممارسة الأعمال.
ويشير إلى أن امتلاك كميات كبيرة من الشيكل النقدي لا يعني امتلاك سيولة قابلة للاستخدام في التجارة الدولية، لأن التجارة الخارجية تحتاج إلى أرصدة مصرفية وعملات أجنبية وتحويلات عبر النظام المصرفي، وليس إلى نقد ورقي مخزن في الخزائن.
ويخلص شوخة إلى أن الأزمة تجاوزت كونها مشكلة فنية، إذ إن استمرار القيود على إعادة تدوير فائض الشيكل يقلص قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الحركة، ويزيد كلفة الأعمال، ويفتح نقاشاً اقتصادياً وقانونياً حول ما إذا كانت هذه القيود قد تحولت إلى أداة ضغط على السلطة الفلسطينية والقطاع الخاص.
المعادلة المختلة
المعادلة الفلسطينية اليوم تبدو كالتالي:
الفلسطينيون يستخدمون الشيكل كعملة رئيسية، لكنهم لا يملكون بنكاً مركزياً يصدره.
يتاجرون مع إسرائيل، لكن إسرائيل تتحكم بالمقاصة.
تدخل إليهم كميات كبيرة من الشيكل نقداً، لكن إسرائيل تحدد سقف خروجه.
تريد البنوك تقليل النقد، لكنها بذلك تضرب الشيكات والتجارة.
تريد سلطة النقد الدفع الإلكتروني، لكن المجتمع لم يجهز بالكامل لهذا التحول.
وتريد إسرائيل تقليل مخاطر النقد القادم من الضفة، لكنها لا توفر قناة كافية ومنتظمة لإعادة امتصاصه.
لذلك، ليست الأزمة أزمة تكدس عملة فقط. إنها أزمة سيادة نقدية، وأزمة علاقة اقتصادية غير متوازنة، وأزمة إدارة مصرفية داخلية، وأزمة سياسية يستخدم فيها المال كأداة ضغط.
ما الحل؟
الحل لا يكون بإجراء واحد، بل بحزمة متزامنة تعالج أصل الأزمة وتخفف آثارها على السوق في الوقت نفسه.
أولاً، يجب الضغط دولياً لرفع سقف شحن الشيكل من 18 مليار شيكل سنوياً إلى مستوى يتناسب مع حجم التدفقات الفعلية، مع جدول شحن شهري ثابت لا يخضع للمساومة السياسية.
ثانياً، يجب الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، لأنها شريان مالي للسلطة والاقتصاد، على أن يقترن ذلك بآلية واضحة لتحويل جزء من النقد الورقي المتكدس إلى سيولة مصرفية قابلة للاستخدام.
ثالثاً، يجب أن تكون هناك تعليمات واضحة وموحدة تضمن استقبال إيداعات التجار ضمن ضوابط مهنية، لا وفق قرارات فردية تختلف من بنك إلى آخر ومن تاجر إلى آخر. ويمكن تشديد متطلبات معرفة العميل ومصدر الأموال، لكن لا يجوز أن يؤدي ذلك إلى دفع القطاعات المنتجة نحو السوق الموازية. فالخشية أن تؤدي السياسات الحالية، إذا استمرت، إلى اهتزاز ثقة المتعاملين بالبنوك، وتآكل ما بناه القطاع المصرفي خلال ثلاثة عقود من ثقة انعكست في حجم الودائع والتعاملات المصرفية.
رابعاً، يجب حماية أداة الشيكات، أو تطوير بدائل قانونية وتجارية مثل الكمبيالة المضمونة أو أدوات ائتمان إلكترونية، حتى لا يتوقف البيع الآجل، ولا تتضرر القطاعات التي تعتمد على الائتمان التجاري في دورة عملها اليومية.
خامساً، يجب بناء التحول الرقمي بالتدرج، من خلال تخفيض رسوم الدفع الإلكتروني، ودعم الحوانيت الصغيرة بأجهزة نقاط بيع، وربط المحافظ الإلكترونية بالبنوك، وحماية المتعثرين من الإقصاء، وتنفيذ حملات توعية وإقناع لا إجراءات يشعر معها المواطن أو التاجر بأنه يُدفع قسراً نحو بدائل غير جاهزة بالكامل.
سادساً، يجب تنظيم سوق الصرافة لا خنقه، لأن شركات الصرافة أصبحت اليوم صمام أمان لكثير من التجار والمتعاملين، لكن من دون رقابة متوازنة يمكن أن تتحول إلى قناة بديلة عن الجهاز المصرفي، بما يضعف قدرة النظام المالي على الرقابة والمتابعة.
سابعاً، يجب أن تقود سلطة النقد حواراً مفتوحاً ومنظماً بين البنوك والتجار والخبراء وممثلي القطاعات الاقتصادية، للوصول إلى حلول مرحلية قابلة للتطبيق، بدلاً من ترك الأزمة للسجال الإعلامي والاحتجاجات والتصريحات المتبادلة التي تزيد ارتباك السوق.
فالحل النهائي المرتبط بشحن فائض الشيكل يبقى بيد إسرائيل، لكن إدارة الضرر اليومي داخل السوق مسؤولية فلسطينية أيضاً، ولا يجوز أن تُترك لقرارات مصرفية متفرقة تعمق الأزمة بدلاً من احتوائها.
الخلاصة
مصادر الشيكل الداخلة إلى الضفة، من العمال والتجارة وإنفاق فلسطينيي الداخل والذهب والعقارات، كافية لتفسير وجود فائض نقدي حقيقي. لكن هذا الفائض لم يكن ليتحول إلى أزمة خانقة لولا أن إسرائيل تتحكم بمخرج العملة وتبقي سقف الشحن دون الحاجة الفعلية.
وفي المقابل، فإن منع الإيداع وتقليص الشيكات ليس حلاً فلسطينياً آمناً، بل علاج مؤلم قد يوسع السوق الموازية ويضرب التجارة.
الحل الممكن هو إدارة الأزمة بذكاء: قبول النقد ضمن ضوابط واضحة، حماية أدوات الائتمان التجاري، تسريع الدفع الإلكتروني تدريجياً، تنظيم سوق الصرافة، والضغط لفتح مخرج حقيقي ومنتظم لفائض الشيكل.
في النهاية، تكشف أزمة الشيكل حقيقة أوسع: الاقتصاد الفلسطيني يدور بعملة لا يملكها، داخل نظام مصرفي لا يتحكم بمخارجه، وتحت سلطة احتلال تستطيع أن تحول السيولة نفسها إلى أداة خنق.
المصادر التي بُني عليها التحليل:
*تقرير صندوق النقد الدولي حول فائض الشيكل يحدد مصادر التدفقات النقدية، ومنها أجور العمال الفلسطينيين في إسرائيل، والتجارة غير الرسمية، ومشتريات فلسطينيي الداخل وسكان القدس الشرقية، والذهب والعقارات، كما يبين أن سقف الشحن كان 4.5 مليار شيكل كل ربع سنة وأن هذا السقف غير متناسب مع التدفقات الفعلية.
*تقرير البنك الدولي لعام 2026 يقدر فائض النقد المتراكم لدى البنوك الفلسطينية بنحو 16 مليار شيكل في نهاية 2025، ويؤكد أن النقد الورقي عالق في الخزائن بينما الأرصدة الرقمية القابلة لتسوية التجارة الخارجية محدودة.
*تصريحات سلطة النقد عبر "وفا" تؤكد أن سقف 18 مليار شيكل سنوياً لم يعد يعكس حجم النقد المتداول، وأن البنوك مطالبة بقبول الإيداعات عند اتساق مصدر الأموال مع نشاط العميل، وأن الأزمة مرتبطة بالقيود الإسرائيلية لا بمجرد رفض البنوك.
*التقارير الإسرائيلية تشير إلى أن شحن النقد يتم عبر هبوعليم وديسكونت وبسقف 18 مليار شيكل سنوياً، وأن علاقات المراسلة تحتاج رسائل حصانة قانونية من وزارة المالية الإسرائيلية.
*في ملف المقاصة، تشير موازنة المواطن 2025 إلى أن إيرادات المقاصة المقدرة تبلغ 10.234 مليار شيكل، وتتكون أساساً من الجمارك، ضريبة القيمة المضافة، وضريبة المحروقات/البلو.
*تشير تقارير البنك الدولي ووسائل إعلام إسرائيلية إلى أن تحويلات المقاصة تعرضت لتجميد أو اقتطاعات حادة منذ 2025، مع دور مباشر لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في سياسة الحجب.
معا
