تصاعدت في الآونة الأخيرة الأصوات التي تحذر من عزوف الأجيال الجديدة من الشباب المصري، لاسيما "جيل Z"، عن الارتباط الرسمي، مدفوعًا بما يسمى "رُهاب الزواج" والذي بات يمثل قضية لافتة تتصدر منتديات النقاش وتثير قلقًا بالغًا في مختلف الأوساط.
وجاءت الأرقام الرسمية لتكشف ملمحًا من ملامح تلك الأزمة وفقًا لأحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حيث شهد عام 2024 تراجعًا في عدد عقود الزواج بنسبة 2.5%، بينما حافظ مؤشر الطلاق على صعوده ليبلغ نحو 274 ألف حالة خلال العام نفسه بزيادة 3.1%.
ويرتبط "رهاب الزواج" بنظرة ذعر، شديدة السلبية، لمشروع الارتباط الرسمي بأكمله، ما يجعل كثيرين يطالبون بسرعة التدخل لمواجهة تلك المشكلة.
وبحسب أساتذة وخبراء الصحة النفسية، يُعرف "رهاب الزواج" علميًا باسم "الجاموفوبيا"، وهو اضطراب نفسي يتمثل في الخوف المرضي الشديد، غير العقلاني، من فكرة الارتباط الرسمي أو الالتزام طويل الأمد الذي يفرضه عقد الزواج.
ويتجاوز هذا الخوف حدود التردد الطبيعي أو القلق المعتاد الذي يسبق اتخاذ القرارات المصيرية، ليصبح حالة من الذعر والهلع التي تعيق الفرد عن ممارسة حياة مستقرة.
واللافت أن الشخص المصاب بهذ الاضطراب يمتلك في كثير من الأحيان القدرة على الوقوع في الحب وإقامة علاقات عاطفية وصداقات ناجحة، إلا أنه ينسحب فورًا أو يصاب بـ"نوبة هلع" بمجرد تحول العلاقة إلى مسار رسمي وجاد.
ويوضح الخبراء النفسيون أن أسباب هذا "الرهاب" تتنوع ما بين ما هو نفسي واجتماعي، مثل النشأة في بيئة أسرية غير مستقرة، حيث تسهم رؤية الصراعات الدائمة بين الوالدين، أو معايشة حالات الطلاق القاسية في الطفولة، في بناء تصور ذهني "مخيف" يربط بين الزواج وبين التعاسة أو الأذى النفسي.
كما تلعب التجارب العاطفية الفاشلة مثل التعرض للخيانة الجارحة أو الانفصال المؤلم، دورًا كبيرًا في تحفيز هذا "الرهاب" كآلية دفاعية لحماية الذات من التعرض للألم مجددًا.
يُضاف إلى ذلك، الخوف من فقدان الاستقلالية والحرية الشخصية، والشعور بالعجز أمام تحمل المسؤوليات المادية والاجتماعية الضخمة التي يتطلبها بناء الأسرة.
دوار وإغماء
واللافت أنه ربما تظهر أعراض جسدية خطيرة لدى مرضى "الرهاب"عند الحديث عن الزواج، مثل تسارع ضربات القلب وضيق التنفس والتعرق المفرط، والدوار الذي قد يصل أحيانًا إلى الإغماء.
ويواجه الشباب والفتيات، من المصابين به، ضغوطًا مجتمعية وعائلية هائلة للإسراع في خطوة الارتباط، ما يحوّل الفكرة إلى عبء نفسي ثقيل يغذي المشكلة بدلاً من حلها.
كما تزيد الأعباء الاقتصادية المرتبطة بتكاليف الزواج، مع تزايد معدلات الطلاق المعلنة عبر الإحصاءات الرسمية، من قلق الشباب وتدفعهم لتفضيل العزوبية خوفاً من الفشل في الارتباط.
بداية الحل
على المستوى الجماعي، يبدأ علاج هذا "الرهاب" من الاعتراف المجتمعي بوجود المشكلة، مع التوقف عن قراءة التجارب السلبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تضخّم الجوانب المظلمة للزواج والارتباط.
كما تسهم المبادرات المختلفة، مثل دورات تأهيل المقبلين على الزواج التي تنظمها المؤسسات الرسمية والمجتمعية، في تصحيح المفاهيم المغلوطة وتقديم صورة واقعية ومتوازنة عن الحياة المشتركة.
أما من الناحية الفردية المباشرة، فإن الخطوة الأساسية في العلاج تتمثل في استشارة أخصائي أو طبيب نفسي في العيادات والمراكز المختصة.
وهنا تبرز أهمية العلاج المعرفي السلوكي والذي يهدف إلى إعادة هيكلة أفكار المريض، وتفكيك المعتقدات المشوهة لديه حول الزواج والالتزام، واستبدالها بأفكار منطقية.
أما في الحالات الشديدة التي يترافق فيها "الرهاب" مع نوبات قلق حادة أو اكتئاب، قد يصف الأطباء بعض الأدوية الطبية المؤقتة، مثل مضادات القلق لتهدئة الأعراض الجسدية وتمكين المريض من الاستجابة لجلسات العلاج النفسي بنجاح.
