قبل العيد.. كم ستكلف "الأضحية" ميزانية العائلة الفلسطينية هذا العام؟

مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك في السابع والعشرين من أيار/مايو الجاري، تبدأ العائلات الفلسطينية بحساباتها المالية السنوية لأداء شعيرة الأضحية. لكن ورقة الحسابات هذا العام تبدو قاسية ومحبطة لشريحة واسعة من المواطنين؛ فالرغبة الدينية وحرص العائلات يصطدمان بواقع اقتصادي خانق، وارتفاع غير مسبوق في أسعار اللحوم جعل من الأضحية "حُلماً" يرهق ميزانية الأسرة المنهكة أصلاً بتآكل الرواتب وتراجع فرص العمل.

القصة لم تعد مرتبطة بمدى رغبة المواطن في التضحية، إنما بمدى قدرة محفظته على تحمل الصدمة السعرية في الأسواق.

لتوضيح حجم العبء المالي، قمنا في "الاقتصادي" بناءً على معطيات نقابة أصحاب الملاحم، بوضع "حسبة تقريبية" لما تحتاجه الأسرة الفلسطينية اليوم لإتمام هذه الشعيرة:

إذا قرر رب الأسرة شراء "خروف"، فإن سعر الكيلوغرام الواحد (قائم/حي) يتراوح حالياً بين 48 إلى 50 شيكلاً.

وبافتراض أن وزن الخروف المطابق للشروط الشرعية والمناسب لعائلة متوسطة يبلغ نحو 55 كيلوغراماً، فإن تكلفة الأضحية ستصل إلى حوالي 2,750 شيكلاً.

هذا المبلغ يعادل أو يتجاوز قيمة الراتب المنقوص الذي تقاضاه الموظفون العموميون آخر مرة، ما يعني أن شراء الأضحية يتطلب التضحية بمصروف العائلة الأساسي لشهر كامل. (ينطبق الأمر ذاته تقريباً على الجدي الذي يسجل مستويات أسعار مشابهة أو أقل بفارق طفيف).

أما الخيار الثاني الذي تلجأ إليه العائلات لتقليل التكلفة وهو "الاشتراك في عجل" (7 حصص)، فإن سعر الكيلوغرام القائم يتراوح بين 29 و30 شيكلاً.

فإذا بلغ وزن العجل 450 كيلوغراماً، فإن التكلفة الإجمالية تصل إلى 13,500 شيكل، لتبلغ حصة الفرد الواحد نحو 1,928 شيكلاً. ورغم أنه خيار أقل تكلفة من الخروف المستقل، إلا أنه يبقى رقماً ثقيلاً جداً في ظل شح السيولة النقدية.

هذا الواقع الصعب لخصه رئيس نقابة أصحاب الملاحم، عمر نخلة، في حديثه لـ"الاقتصادي" بتساؤل مرير: "المواطن الذي لا يستطيع اليوم شراء كيلوغرام واحد من اللحم لعائلته، كيف له أن يشتري أضحية كاملة؟".

الارتفاع الجنوني في الأسعار ليس وليد الصدفة، هو نتيجة تراكمات لسياسات حكومية أهملت الإنتاج المحلي.

يوضح نخلة أن فلسطين كانت في السابق تمتلك ثروة حيوانية هائلة تقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي، حيث قُدر عدد رؤوس الأغنام بنحو 800 ألف رأس من الأمهات المنتجة.

أما اليوم، فقد انهار هذا الرقم ليصل إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف رأس فقط في الضفة الغربية.

هذا التراجع الحاد في الإنتاج انعكس مباشرة على المعروض في الأسواق خلال موسم العيد. فبعد أن كان السوق يوفر نحو 100 ألف رأس مطابقة لشروط الأضحية قبل عشر سنوات، لا يتجاوز العدد المتوفر حالياً 20 ألف رأس فقط. ويُرجع نخلة هذا الانهيار إلى تهميش هذا القطاع، وإضعاف المزارع الفلسطيني، والتوجه السهل نحو الاستيراد الخارجي، إلى جانب اعتداءات المستوطنين.

لإدراك حجم التضخم الذي ضرب قطاع اللحوم، يعود نخلة بالذاكرة إلى أعوام 2014 و2015؛ حينها كانت أسعار لحم الخروف الصافي تتراوح بين 55 و60 شيكلاً للكيلوغرام. اليوم، تضاعف السعر ليتجاوز حاجز الـ 110 شواكل، وصولاً إلى 120 شيكلاً للخروف البلدي.

المفارقة الأكثر إيلاماً والتي تعكس تبدل الحال، هي التفاصيل الصغيرة في الملاحم؛ ففي الماضي القريب كان المواطن يحصل على "اللية" مجاناً كإضافة من اللحام، أما اليوم، فقد أصبح سعر كيلوغرام "اللية" وحده يباع بنحو 60 شيكلاً!

في المحصلة، يقف المواطن الفلسطيني عشية عيد الأضحى لعام 2026 أمام معادلة مستحيلة؛ رغبة دينية واجتماعية قوية، تقابلها جيوب فارغة وأسواق تشتعل فيها الأسعار.

ووفقاً لنقابة الملاحم، فإن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً، وأن إنقاذ هذه الشعيرة وحماية الأمن الغذائي للمواطن يتطلبان تدخلاً حكومياً جذرياً يعيد إحياء قطاع الثروة الحيوانية ويدعم المزارع المحلي قبل أن تختفي الأضاحي تماماً من يوميات العيد.