88% قوائم مستقلة.. قراءة ضبابية للخريطة السياسية بعد الانتخابات

قال الباحث في قضايا الحكم والسياسة ومدير مركز ثبات للبحوث واستطلاعات الرأي، جهاد حرب، إن نحو 47% من الهيئات المحلية التي جرت فيها الانتخابات الأخيرة حُسمت بالتزكية، ما أدى إلى غياب التنافس الانتخابي، ومنح النخب السياسية والعائلية دوراً في “مصادرة” حق المواطنين في اختيار ممثليهم.

وأوضح حرب أن إجراء الانتخابات المحلية جاء في سياقين رئيسيين، يتمثل الأول في تكريس حق المواطنين الدستوري في انتخاب ممثليهم، خاصة بعد انتهاء ولاية المجالس المنتخبة خلال الفترة 2021–2022، فيما يتمثل الثاني في تعزيز مكانة الحكومة الفلسطينية كحكومة لجميع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وأشار في حديث لصحيفة القدس المحلية، إلى أن إجراء الانتخابات في مدينة دير البلح حمل دلالة رمزية على هذا التوجه، بدعم من مؤسسات المجتمع المدني والحكومة، في محاولة لتأكيد شمولية العملية الانتخابية.

وبيّن حرب أن العملية الانتخابية جرت بسلاسة من الناحية الإجرائية، وبإشراف مهني من لجنة الانتخابات المركزية، ما عزز من مستوى النزاهة التنظيمية، إلا أن ذلك لا يلغي وجود إشكاليات بنيوية مرتبطة بالقانون الانتخابي الجديد رقم 23 لسنة 2025.

وأضاف أن القانون تضمّن شروطاً سياسية حدّت من مشاركة بعض القوى والفصائل، إلى جانب اشتراطات تنظيمية، أبرزها إلزام القوائم بعدد مرشحين يوازي عدد مقاعد الهيئة المحلية، الأمر الذي قلّص فرص تشكيل تحالفات لقوى اجتماعية ناشئة.

ولفت حرب إلى أن انتشار القوائم التوافقية في نحو 197 هيئة محلية، أي ما يقارب نصف الهيئات، أدى إلى غياب التنافس وإقصاء المواطنين من ممارسة حقهم في الاختيار، مشيراً إلى أن بعض المواطنين خاضوا تجربة الاقتراع للمرة الأولى، فيما حُرم آخرون منها بالكامل.

وأوضح أن هذا الواقع طال مدناً ذات ثقل سياسي وتنوع اجتماعي مثل رام الله ونابلس، حيث غابت المنافسة الانتخابية لصالح قوائم توافقية، ما يعكس تغلّب الاعتبارات العائلية والسياسية على العملية الديمقراطية.

وفي قراءة لنسب المشاركة، أشار حرب إلى وجود تباين واضح بين المناطق، إذ سجلت القرى والبلدات الصغيرة نسب اقتراع مرتفعة تجاوزت 80% في بعض الحالات، مقابل انخفاضها في المدن الكبرى مثل الخليل والبيرة إلى أقل من 30%.

وأرجع هذا التفاوت إلى حالة من الإحباط لدى الناخبين في المدن، مرتبطة بالشروط السياسية والظروف الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى محدودية الخيارات المتاحة.

وبيّن حرب أن 88% من القوائم المشاركة كانت مستقلة، مقابل 12% فقط حزبية، ما يجعل من الصعب تقديم قراءة دقيقة للخريطة السياسية في هذه المرحلة، بانتظار النتائج النهائية لتحديد توازنات القوى بين القوائم.

وفيما يتعلق بالاستحقاقات الوطنية، يرى حرب أن إمكانية إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية لا تزال قائمة، لكنها مرهونة بتوفر إرادة سياسية، وتذليل العقبات المرتبطة بمدينة القدس وقطاع غزة.

وأكد أن نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية التي تجاوزت 50% تعكس رغبة شعبية في ممارسة الحق الانتخابي، إلا أن هذه الرغبة تبقى مرتبطة ببيئة سياسية وتنظيمية قادرة على توسيع المشاركة وضمان التنافس الحقيقي في الانتخابات المقبلة.