لماذا لم تنخفض أسعار القهوة محليا رغم تراجعها عالميا؟

شهدت أسعار القهوة في السوق المحلي ارتفاعا ملحوظا خلال الفترة الماضية، تماشيا مع الارتفاعات القياسية التي سجلتها الأسواق العالمية، إذ ارتفع سعر أوقية القهوة في أغلب المحامص إلى نحو 18 شيكلا، بعد أن كان عند حدود 15 شيكلا، وقبل ذلك نحو 11 شيكلا في سنوات سابقة.

ورغم أن هذا الارتفاع جاء استجابة مباشرة لصعود الأسعار عالميا، إلا أن تراجع الأسعار في البورصات العالمية مؤخرا لم ينعكس حتى الآن على السوق المحلي، إذ لا تزال الأسعار مستقرة عند مستوياتها المرتفعة، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التباين بين الاتجاهين العالمي والمحلي.

وأوضحت مديرة في إحدى كبرى شركات البن محليا في حديث خاص لـ"الاقتصادي"، أن عدم انعكاس الانخفاض العالمي على الأسعار في السوق المحلي يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها طبيعة الاستيراد ودورة المخزون، مشيرة إلى أن التجار يتعاملون مع شحنات تم التعاقد عليها ودفع ثمنها قبل شهرين إلى ثلاثة أشهر، ما يخلق فجوة زمنية بين تغير الأسعار عالميًا وتطبيقها فعليًا في السوق المحلي.

وأضافت أن استيراد القهوة الخضراء يواجه تحديات متزايدة منذ تداعيات ما بعد السابع من أكتوبر 2023، لا سيما مع ارتفاع تكاليف الشحن والنقل، إلى جانب التأخيرات المتكررة في وصول الشحنات، وهو ما يدفع التجار إلى الاستمرار في بيع المخزون المتوفر لديهم بالأسعار القديمة قبل الانتقال إلى تسعير جديد.

وأشارت إلى أن التجار يتحملون أيضا أعباء مالية إضافية، أبرزها رسوم الأرضيات التي تُفرض على البضائع في الموانئ داخل إسرائيل نتيجة بقائها لفترات طويلة قبل إدخالها إلى الأسواق المحلية، مؤكدة أن هذه التكاليف مجتمعة تحدّ من سرعة انعكاس أي انخفاض عالمي على الأسعار المحلية، وتُبقيها عند مستوياتها الحالية إلى حين دخول شحنات جديدة بتكلفة أقل.

في المقابل، قال محلل اقتصادي، إن استمرار أسعار القهوة في السوق المحلي عند مستوياتها الحالية، رغم التراجع الملحوظ في الأسعار العالمية، يعود إلى طبيعة آلية انتقال الأسعار بين الأسواق الدولية والمحلية، والتي لا تتم بشكل فوري أو مباشر، بل تخضع لعدة عوامل تشغيلية وتجارية أبرزها دورة المخزون لدى التجار وتكاليف الاستيراد والعقود المسبقة.

وأشار لـ"الاقتصادي" إلى أن جزءا كبيرا من القهوة المتوفرة في السوق المحلي يكون قد تم شراؤه سابقا عند مستويات سعرية أعلى، ما يدفع التجار إلى الاستمرار في تسويق هذه الكميات بالأسعار القديمة بهدف تغطية التكلفة وتحقيق هامش ربح، قبل أن يبدأ أي انعكاس فعلي لانخفاض الأسعار العالمية على السوق المحلي.

ويرى، أن هذا التباطؤ في انخفاض الأسعار محليا يرتبط بآلية إدارة المخزون، حيث يسعى التجار إلى تصريف الكميات المخزنة لديهم تدريجيا قبل الانتقال إلى تسعير يتماشى مع الأسعار العالمية الجديدة، وهو ما يؤدي إلى فجوة زمنية بين التغير في البورصات العالمية وبين انعكاسه على رفوف البيع بالتجزئة، ومع دخول شحنات جديدة بأسعار أقل يُتوقع أن تبدأ الأسعار بالانخفاض تدريجيًا في الأسواق المحلية خلال الفترة المقبلة.

وشهدت أسواق القهوة العالمية خلال الأشهر الأخيرة تقلبات حادة في الأسعار، إذ انتقلت من مستويات قياسية مرتفعة إلى موجة هبوط قوية أعادت الأسعار إلى مستويات لم تُسجل منذ أشهر، في ظل تغيرات واضحة في توازنات العرض والطلب العالمي.

وبحسب بيانات التداول في عقود القهوة من نوع الأرابيكا، بلغت الأسعار ذروتها في 11 نوفمبر 2025 عند مستوى 422.70 سنت للرطل، مدفوعة بتراجع المعروض العالمي، إلى جانب مخاوف متزايدة من تأثيرات التغيرات المناخية على إنتاج الدول الرئيسية المنتجة، ما خلق حالة من القلق في الأسواق العالمية ودفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

ومع دخول شهر ديسمبر 2025، بدأت الأسعار مسارًا هبوطيًا حادًا كسر مستويات دعم رئيسية في السوق، لتفقد القهوة جزءا كبيرا من مكاسبها السابقة، حيث استقرت الأسعار مؤخرًا عند حدود 284.25 سنت للرطل، ما يعكس تراجعا يقارب 32% من أعلى مستوى سجلته في نوفمبر الماضي، في واحدة من أبرز موجات التصحيح السعري خلال الفترة الأخيرة.

وقد مرّت أسعار القهوة خلال هذه الفترة بثلاث مراحل رئيسية، تمثلت في مرحلة صعود قوية بين شهري سبتمبر ونوفمبر 2025، مدفوعة بضغط الطلب العالمي وتراجع المخزونات، تلتها مرحلة تصحيح حاد خلال ديسمبر 2025 شهدت هبوطا سريعا وكسرا لمستوى 350 سنتا للرطل، ثم مرحلة استقرار نسبي خلال نيسان 2026، حيث تحركت الأسعار بشكل جانبي قرب مستويات تتراوح بين 280 و290 سنتا للرطل مع تسجيل تراجعات يومية محدودة في بعض الجلسات.

ووفق بيانات حصل عليها موقع "الاقتصادي" من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ متوسط إنفاق الأسرة في الضفة الغربية على القهوة نحو 34 شيكلا شهريا، أي ما يعادل قرابة 7 شواكل للفرد، استنادا إلى مسح جرى تنفيذه في 2023 وشمل أكثر من 3200 أسرة بمتوسط 4.7 أفراد لكل أسرة. ومن الطبيعي أن هذا الرقم سيكون أعلى من ذلك مع ارتفاع الأسعار على مدار السنوات الأخيرة.

وتشير الأرقام إلى أن القهوة المحمصة والمطحونة تستحوذ على الحصة الأكبر من هذا الإنفاق، يليها القهوة سريعة التحضير، فيما توزّعت مبالغ إضافية على مشروبات مرتبطة بالعادات اليومية مثل الكاكاو واليانسون والنعناع. ويؤكد "الإحصاء" أن هذه الأرقام تدرج إنفاق القهوة ضمن "النفقات الاعتيادية" للأسرة، رغم الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

وتشير بيانات رسمية إلى أن إجمالي واردات البن إلى فلسطين بلغ عام 2019 حوالي 31.7 مليون دولار، ما يعكس الحجم الاقتصادي لهذه السلعة وأهميتها في السوق المحلي، ومن المرجح أن قيمة الواردات ازدادت خلال السنوات الأخيرة.

هذا الشغف يواجه اليوم تحديا جديدا، إذ شهدت الأسواق الفلسطينية في السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في أسعار القهوة، آخرها بداية 2025، حيث قفز سعر أوقية القهوة في السوق المحلي من 12 إلى 15 شيكلا ثم إلى 18 شيكلا لدى بعض المحلات، في زيادة وُصفت بأنها استجابة لارتفاع الأسعار عالميا إلى أعلى مستوياتها منذ 71 عاما.