في ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، اعتاد الغزيون أن تمتلئ مساجدهم بالمعتكفين والذاكرين وتعلو أصوات القرآن حتى الفجر، في أجواء إيمانية وروحانية.
فالمآذن التي كانت تُنادي للصلاة أصبحت ركامًا، والمساجد التي كانت تحتضن آلاف المصلين تحوّلت إلى ساحات من الحجارة والغبار، بفعل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ومع ذلك، بدت الصورة هذا العام مختلفة، حيث لم تغب روح الاعتكاف عن غزة، بل عادت لتنبض من بين الأنقاض، في مشهد يجمع بين الألم والإصرار.
وبعد سنوات من الحرمان بسبب الحرب المتواصلة وما رافقها من نزوح وخطر دائم، بدأ الغزيون يستعيدون هذه السنة الرمضانية تدريجيًا، وسط ظروف استثنائية.
ولإحياء العشر الأواخر، نُصبت خيامٌ صغيرة قرب مساجد مدمرة، وشوادر بلاستيكية فُرشت فوق الأرض، لتتحول إلى مصليات مؤقتة يقضي فيها المصلون لياليهم بين الصلاة والدعاء وقراءة القرآن.
ويحرص المصلون على العودة إلى المواقع نفسها التي كانت تحتضن مساجدهم، ولو كانت مجرد أنقاض، يجلسون على سجاد بسيط، يحيط بهم الركام من كل جانب، بينما تضيء مصابيح صغيرة ليالي العبادة الطويلة.
ويقول معتكون إن الاعتكاف هذا العام يحمل معنى مختلفًا؛ فالدعاء لم يعد مقتصرًا على طلب المغفرة والرحمة، بل امتد ليشمل الدعاء للبيوت المهدمة، وللشهداء، ولعودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
أجواء إيمانية
الستيني ذيب الشندغلي، أحد المعتكفين بمصلى مسجد الرحمة شمالي القطاع يقول لوكالة "صفا": "عامان ونحن محرومون من إحياء هذه السُنة والطقوس الرمضانية، لقد كانت عبارة (صلوا في رحالكم) تفتر القلب بفقدان رمضان لصلاة التراويح والاعتكاف".
ويضيف "كنا مشتاقين لقيام هذه الليالي المباركة، ولا يهمنا إن كانت الصلاة على الرمال، المهم أن نعود لإحياء العشر الأواخر كما اعتدنا قبل الحرب في أجواء إيمانية فقدناها طويلًا".
ويتابع "ما إن باشرنا الصلاة بمصلى الرحمة حتى أخذ الناس وعدًا بالاعتكاف فيه لتعويض ما فقدوه بسبب الحرب.. نحاول اليوم اعادة روح الشهر الفضيل بالعودة للاعتكاف حتى لو كانت مصليات بسيطة من شوادر".
ويشير الى أن فرحة الناس لا توصف بإحيائهم هذه السُنة، مؤكدين أن زخرفة المساجد ليست التي تجمعها للاعتكاف وإنما روح العبادة والصلاة.
تمسك بالعبادة
وأما أحمد الغليظ فيقول إن مشاهد الناس وهي تُحيي العشر الأواخر من رمضان تُؤكد تمسكهم بالحياة والعبادة، فرغم ما أصابهم من دمار لمساجدهم تراهم يهرعون لإحياء هذه السُنة بالمصليات التي أُقيمت على أنقاض المساجد.
ويضيف الغليظ في حديثه لوكالة "صفا"، "هذه أول مرة نستطيع قيام العشر الأواخر من رمضان على أنقاض مساجدنا بالمصليات المنتشرة في القطاع بسكينة وطمأنينة، بعد أن منعتنا الحرب المجنونة لذة قيامها وإحيائها".
"اختلفت الأدعية بصلاة القيام حتى أصبحت الراحة وهداة البال، والدعاء للشهداء والعوض الجميل لكل من فقد متلازمة مع طلب الرحمة والمغفرة والعتق من النار". وفق الغليظ
ويردف "نحاول تشجيع صغار السن على الالتزام بالاعتكاف في محاولة لإعادة صفوف المصلين كما كانت قبل الحرب".
ويشدد على أن عودة الاعتكاف للمساجد بعد عامين من الحرمان القسري يُعطي للصلاة نكهة ورونق خاص يجعل المُصلي يثبت في صلاته كما لم يفعل من قبل.
إقبال واسع
وأما الشيخ يوسف عسلية فيؤكد أن الإقبال على الاعتكاف هذا العام يعكس شوق الناس الكبير للعودة إلى هذه الشعيرة بعد عامين من الحرمان.
ويقول عسلية لوكالة "صفا": "هناك إقبال واسع من المواطنين على الاعتكاف وإحياء العشر الأواخر، فالناس حُرمت من هذه الأجواء لمدة كافية تجعلها تحرص على أدائها على أنقاض مساجدهم المدمرة".
ويضيف "أرى كثيرًا من المواطنين يلازمون هذه المصليات ينتظرون الصلاة، وخاصة صلاتي الظهر والعصر، وما يلبثون إلا أن يصلوا صلاة العشاء والتراويح بصلاة الفجر، وكأن الحرب لم تغير من أيام رمضانهم شيء".
