في الحروب الحديثة لم تعد المعارك تُخاض بالبنادق والصواريخ فقط، بل بات المال أحد أهم ميادين المواجهة وأكثرها حسما، وفي هذا السياق، يبدو أن إسرائيل انتقلت في حربها ضد حماس وحزب الله إلى مرحلة جديدة تقوم على خنق مصادر التمويل وتجفيف الموارد المالية، في محاولة لإضعاف قدراتهما على الاستمرار في القتال وإدارة شبكاتهما العسكرية.
قبل أيام، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، أن جهاز الشاباك والجيش نفذا عملية مشتركة في جنوب لبنان استهدفت مكتبا يستخدم لجمع الأموال لصالح حركة حماس.
وبحسب أدرعي، فإن المكتب كان يديره شخص يدعى عصام حشان، المسؤول عن جهاز جمع الأموال للحركة، والذي يعمل مع مجموعة من العناصر في شبكة مالية واسعة تمتد عبر عدة دول، مبينا أن هذا الجهاز تمكن منذ بداية الحرب من جمع مئات الملايين من الدولارات حول العالم لصالح حماس، وهي أموال تستخدم في شراء السلاح وتمويل الأنشطة العسكرية ودفع رواتب عناصر الجناح العسكري.
لكن ما يلفت الانتباه أن العملية لا تبدو معزولة أو عابرة، بل تأتي ضمن استراتيجية أوسع تستهدف البنية المالية للتنظيمات المسلحة، فإسرائيل لا تكتفي بضرب المواقع العسكرية أو القيادات الميدانية، بل تعمل بشكل متزايد على تفكيك شبكات التمويل التي تبقي هذه التنظيمات قادرة على الاستمرار.
وفي هذا السياق أيضا، جاء استهداف مؤسسة "القرض الحسن" في لبنان قبل ايام، التي لطالما اعتبرت إحدى أهم الأدوات المالية المرتبطة بحزب الله، وهذه المؤسسة التي تقدم للجمهور كجهة تقدم خدمات مالية وقروضا للمواطنين، تتهم منذ سنوات بأنها تشكل جزءا من البنية الاقتصادية التي يعتمد عليها الحزب في إدارة موارده وتحريك أمواله بعيدا عن النظام المصرفي التقليدي.
ووفقا لمتابعين للتنظيمات الإسلامية، فإن استهداف هذه المؤسسات المالية يرسل رسالة واضحة: الحرب لم تعد فقط على الميدان العسكري، بل على الاقتصاد الموازي الذي تعيش عليه هذه التنظيمات.
ويؤكد المتابعون أن حركة حماس وحزب الله بنيا خلال السنوات الماضية شبكات مالية معقدة تشمل جمع التبرعات، والاستثمارات، والمؤسسات الخيرية، وشركات الواجهة، إضافة إلى شبكات تحويل الأموال عبر عدة دول، مبينين أن هذه الشبكات كانت تشكل بالنسبة لهما شريان حياة يمدهما بالسيولة اللازمة للحفاظ على بنيتهما العسكرية والتنظيمية، غير أن الضربات الأخيرة تشير إلى أن هذه الشبكات باتت تحت المجهر بشكل غير مسبوق.
ويرى مختصون أن المشكلة الأكبر التي قد تواجهها هذه التنظيمات ليست فقط في خسارة الأموال المباشرة، بل في تآكل الثقة داخل شبكات التمويل نفسها، فحين تصبح المؤسسات المالية أو المكاتب أو الوسطاء عرضة للاستهداف والملاحقة، فإن ذلك يخلق حالة من الخوف والتردد لدى المتبرعين والوسطاء والممولين، أي أن تتحول الضربات المالية إلى عامل شلل تدريجي داخل منظومة التمويل.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تعاني فيه المنطقة أصلا من أزمات اقتصادية حادة، سواء في لبنان الذي يمر بأسوأ انهيار مالي في تاريخه الحديث، أو في غزة التي تعيش ظروفا إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة، وفي مثل هذه الظروف، يصبح توفير التمويل أكثر تعقيدا وصعوبة.
ومع تصاعد هذه الاستراتيجية، يبدو أن إسرائيل تراهن على أن تجفيف منابع المال قد يكون أكثر تأثيرا على المدى الطويل من الضربات العسكرية التقليدية، فالتنظيم الذي يفقد قدرته على دفع الرواتب، أو شراء السلاح، أو تمويل شبكاته اللوجستية، يجد نفسه تدريجيا أمام معركة بقاء صعبة.
وفي المقابل، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط عن الأموال أو عن الشبكات المالية، بل عن الأولويات المختلة التي حكمت مسار هذه التنظيمات طوال السنوات الماضية، فبينما كانت مليارات الدولارات تُجمع وتضخ في مسارات عسكرية وصراعات إقليمية، كان سكان غزة يزدادون فقرا عاما بعد عام، حتى وصل الحال اليوم إلى مشهد مأساوي، عائلات تبحث عن وجبة طعام، وأطفال ينتظرون دورهم أمام التكيات الخيرية للحصول على لقمة إفطار في شهر رمضان.
في المقابل، يعيش لبنان انهيارا اقتصاديا غير مسبوق، عملة منهارة، نظام مصرفي شبه مفلس، وطبقة وسطى تلاشت بالكامل، ومع ذلك، استمر حزب الله في بناء اقتصاد مواز خاص به، يعتمد على مؤسسات مالية مثل "القرض الحسن"، التي قدمها الحزب كبديل مصرفي للجمهور، لكنها في الوقت ذاته شكلت جزءا من شبكة مالية مغلقة تخدم مشروعه السياسي والعسكري.
غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في الضربات الإسرائيلية على شريان المال لحماس وحزب الله، بل في الخيارات السياسية التي قادت إليها، فمنذ سنوات، اختارت حماس وحزب الله الاصطفاف الكامل إلى جانب إيران، وربطت مصيرهما ومصير شعبيهما بأجندة إقليمية لا تعطي الأولوية لاحتياجات الناس اليومية بقدر ما تركز على صراعات النفوذ في المنطقة.
هذا الاصطفاف أدى تدريجيا إلى ابتعاد متزايد عن العمق العربي، وإلى دخول هذه التنظيمات في محاور سياسية وعسكرية جعلت مجتمعاتها تدفع ثمن مواجهات أكبر من قدرتها على الاحتمال، والنتيجة اليوم واضحة للعيان، في غزة، يعيش أكثر من مليوني إنسان في ظروف إنسانية كارثية، حيث أصبح الحصول على الغذاء والدواء تحديا يوميا.
وفي لبنان، يجد ملايين المواطنين أنفسهم أسرى لانهيار اقتصادي غير مسبوق، بينما تستمر القوى المسلحة في إدارة اقتصادها الخاص بعيداً عن الدولة.
إن المفارقة القاسية أن الشعارات الكبرى التي رفعتها هذه التنظيمات طوال السنوات الماضية – من المقاومة إلى التحرير – لم تنجح في إنقاذ شعوبها من الفقر، بل ربما ساهمت في تعميق عزلتها الاقتصادية والسياسية.
فالسياسة التي تقوم على ربط مصير الشعوب بمشاريع إقليمية كبرى دون حساب لتوازنات القوة أو لقدرة المجتمعات على الصمود اقتصاديا، تنتهي غالبا بالنتيجة نفسها، شعوب منهكة، واقتصادات مدمرة، ومستقبل غامض.
وبحسب الواقع الميداني، فإن اسرائيل قد تنجح في تضييق الخناق المالي على حماس وحزب الله عبر استهداف شبكات التمويل والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة بهما، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الأثمان الكبرى لهذه المواجهات لا تُدفع في غرف القيادة ولا في الحسابات المصرفية، بل في بيوت الفقراء الذين ينتظرون اليوم وجبة طعام أو فرصة حياة أفضل.
