مع انتهاء العشر الأوائل من شهر رمضان المبارك، يتجدد المشهد الإيماني في المسجد الأقصى بصورة مهيبة تعكس عمق الارتباط الروحي للمسلمين بهذا المكان المبارك، فمنذ أول يوم من الشهر الفضيل، تتوافد أعداد كبيرة من المصلين من مدينة القدس ومن مختلف البلدات الفلسطينية، إضافة إلى من استطاع الوصول من الداخل الفلسطيني، ليشهدوا صلوات العشاء والتراويح والقيام في رحاب الأقصى، في أجواء يغلب عليها الأمن والطمأنينة والهدوء.
ويبدأ المشهد في ساحات الأقصى قبيل موعد الإفطار، حيث تنتشر موائد إفطار بسيطة يتقاسم فيها الصائمون التمر والماء والخبز، في صورة تعكس التكافل الاجتماعي وروح الجماعة، ومع أذان المغرب، تتعالى التكبيرات وتخيم سكينة خاصة على المكان، ثم تمتلئ الساحات تدريجيا بالمصلين الذين يصطفون في انتظام لافت، صفوفا متراصة تمتد من المصلى القبلي إلى قبة الصخرة وسائر الساحات.
أما الأجمل من ذلك، فهو خلال صلاة العشاء والتراويح، حيث يظهر الحجم الحقيقي للحشود، وتكتظ الساحات بالمصلين رجالا ونساء وأطفالا، في مشهد يبعث على الفخر والاعتزاز، وهو العدد الذي يتضاعف كثيرا في ليالي الجمعة وليالي العشر الأواخر من رمضان، لان التوافد يستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، في ظل تنظيم ملحوظ للحركة داخل الساحات ومحيط البلدة القديمة.
اللافت في هذا العام هو الأجواء التي يسودها الأمن والهدوء، ما أتاح للمصلين أداء شعائرهم براحة وتركيز وخشوع، حيث تسير الحركة داخل الأقصى بانسيابية، والانتشار الواسع للمتطوعين ولجان النظام يساهم في إرشاد المصلين وتسهيل دخولهم وخروجهم، ومنع الاكتظاظ في الممرات الضيقة، خصوصا في أوقات الذروة، فيما تشهد مرافق المسجد من مصليات ومرافق وضوء عناية مستمرة، لضمان راحة الوافدين.
ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فإن الحضور الكبير في الأقصى ينعكس على البلدة القديمة وأسواق القدس العتيقة، حيث تنتعش الحركة التجارية في ساعات المساء، وتمتلئ الأزقة بالمارة الذين يقصدون الصلاة أو يتبضعون بعد الإفطار، حيث يعرض الباعة الفوانيس والحلويات الرمضانية والمشروبات التقليدية، في أجواء احتفالية تعبر عن خصوصية رمضان في القدس "قبلة المسلمين الأولى".
أما روحيا، فيحمل المشهد أبعادا أعمق من مجرد كثافة عددية، فالمصلون يؤكدون أن الصلاة في الأقصى خلال رمضان تحمل طعما مختلفا، إذ تتضاعف مشاعر القرب من الله، وتتعزز الروابط بين الناس، ويشعر الجميع أنهم جزء من لوحة إيمانية جامعة، وفي لحظات الدعاء الجماعي بعد التراويح، ترتفع الأكف إلى السماء في مشهد مؤثر، تختلط فيه الدموع بالرجاء، وتتوحد القلوب على أمل الخير والسلام.
كما تحرص العائلات على اصطحاب أطفالها، في محاولة لغرس حب الأقصى في نفوسهم منذ الصغر، فمشاهد الأطفال وهم يركضون في الساحات قبل الصلاة، ثم يقفون إلى جانب آبائهم في الصفوف، تعكس استمرارية الحضور الإيماني عبر الأجيال، وتؤكد أن الأقصى سيبقى حاضرا في الوعي والوجدان.
ويجمع الكثير من الفلسطينيين أن صلاة رمضان في المسجد الأقصى هذا العام تجسد صورة مشرقة من صور العبادة الجماعية في أجواء من الأمن والسكينة، فكثافة المصلين، وانتظام الصفوف، وهدوء المكان، كلها عناصر تصنع مشهدا روحانيا فريدا يعكس مكانة الأقصى في قلوب المسلمين، ويؤكد أن رمضان في القدس ليس مجرد شهر عبادة، بل هو موسم إيمان وحضور وتواصل روحي عميق لا يتكرر إلا في رحاب هذا المسجد المبارك.
