شيعت جماهير غفيرة في منطقة البقاع شرق لبنان، اليوم السبت، جثامين ثمانية من عناصر حزب الله الذين ارتقوا جراء غارات جوية نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي. وندد محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي للحزب، خلال مراسم التشييع بما وصفها بالمجزرة البشعة، مشدداً على أن هذا العدوان يمثل تجاوزاً خطيراً لقواعد الاشتباك والوتيرة التي كانت قائمة في الاعتداءات السابقة.
وأكد قماطي في كلمة بثت خلال تجمع شعبي في العاصمة بيروت أن استمرار الاستهداف الإسرائيلي للمدنيين والكوادر لا يترك للشعب اللبناني خياراً سوى التمسك بنهج المقاومة. وتساءل عن البدائل المتاحة للدفاع عن سيادة الوطن وكرامته في ظل الصمت الدولي على الجرائم المتكررة، معتبراً أن المقاومة باتت قدراً محتوماً لردع الاحتلال وحماية البلاد.
من جانبها، كشفت وزارة الصحة اللبنانية عن حصيلة دامية للغارات الليلية التي استهدفت بلدات البقاع، حيث سجلت استشهاد 10 أشخاص وإصابة 24 آخرين بجروح متفاوتة. وأوضحت المصادر الطبية أن القصف العنيف تسبب في دمار واسع في الممتلكات، مما فاقم من معاناة السكان في تلك المناطق الحدودية والداخلية على حد سواء.
وفي سياق متصل، زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن عملياته الجوية استهدفت عناصر يتبعون للوحدة الصاروخية في حزب الله، بالإضافة إلى تدمير مقار عسكرية ومخازن أسلحة. وتأتي هذه الادعاءات في إطار المحاولات الإسرائيلية المستمرة لتبرير استهداف المناطق السكنية والبنى التحتية في عمق الأراضي اللبنانية، وهو ما تنفيه الوقائع الميدانية.
وعلى المستوى الرسمي، أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون هذه الغارات بشدة، معتبراً إياها تقويضاً للجهود الرامية لتثبيت الاستقرار. وجاء هذا الموقف الرسمي في وقت حساس، حيث كانت الحكومة اللبنانية قد أعلنت مؤخراً عن خطة زمنية تمتد لأربعة أشهر لبدء المرحلة الثانية من ترتيبات نزع السلاح في الجنوب، وهو ما يبدو أن الاحتلال يسعى لعرقلته.
وشهدت مدينة بعلبك مراسم تشييع مهيبة للقياديين حسين محمد ياغي وحسنين ياسر السبلاني، بمشاركة شخصيات دينية وسياسية بارزة. وحضر التشييع المفتي الجعفري الشيخ عبد الأمير قبلان، إلى جانب عدد من النواب الذين أكدوا على وحدة الموقف اللبناني في مواجهة التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة التي تستهدف أمن واستقرار المنطقة.
وخلال كلمته في التشييع، أشار الشيخ قبلان إلى أن التضحيات التي يقدمها قادة المقاومة تهدف بالأساس إلى حماية سيادة لبنان ومنع المشروع الإسرائيلي من التمدد. وحذر من الأطماع التوسعية للاحتلال التي تسعى لابتلاع دول المنطقة لصالح مشروع 'إسرائيل الكبرى'، مؤكداً أن دماء الشهداء هي الضمانة الوحيدة لإفشال هذه المخططات.
وبالتوازي مع التشييع المركزي، وُوريت جثامين ستة من كوادر الحزب الثرى في بلداتهم بقضاء بعلبك، وهم محمد وعلي الموسوي، وحسين علاء الدين، وأحمد الحاج حسن، وقاسم مهدي، وأحمد زعيتر. وعكست هذه الجنازات حالة من الغضب الشعبي العارم تجاه الخروقات الإسرائيلية المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقع في وقت سابق.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد الميداني يرتبط بشكل وثيق بالتوترات الإقليمية المتزايدة بين الولايات المتحدة وإيران. وتأتي هذه التطورات في ظل تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باللجوء إلى الخيار العسكري ضد طهران، عقب جولة محادثات نووية لم تسفر عن نتائج ملموسة، مما يضع لبنان في قلب العاصفة الإقليمية.
يُذكر أن العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ أكتوبر 2023 قد أسفر عن استشهاد أكثر من 4 آلاف شخص وإصابة الآلاف، قبل أن يتحول إلى حرب شاملة. ورغم الاتفاقات الدولية، لا تزال قوات الاحتلال تسيطر على خمس تلال لبنانية استراتيجية وتواصل هجماتها شبه اليومية، مما يهدد بانهيار كامل للتفاهمات الهشة القائمة.
