بعدما وضعت الحرب أوزارها، وتم الإعلان رسميا عن وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، لم يحلّ السلام على قطاع غزة كما توقع السكان، فبين ركام البيوت، ووجوه أنهكها الانتظار، يتبدّد وهم الاستقرار كل صباح على وقع قصف متقطع، وأمان لا يزال مؤجلا.
هدأت المعارك في البيانات الرسمية، غير أن الحياة هنا لم تهدأ، من البحث عن مأوى يحمي من برد الليل، إلى محاولة توفير لقمة تسدّ رمق أسرة أنهكها النزوح، تستمر معركة البقاء بصمتٍ ثقيل، وتذكرنا بأن نهاية الحرب لا تعنى بداية الطمأنينة، وأن ما كان معتقدا سائدا بعودة الأمان تحول إلى قلق يومي لا يغادر.
ورغم دخول بعض البضائع، وانخفاض أسعار محدودة وانتعاش الأسواق نوعا ما، لكن ذلك لم يكن كافيا لانتهاء الأزمات العميقة التي تثقل كاهل السكان، من شحّ السيولة النقدية، واستمرار النزوح، وتراجع المساعدات الإنسانية، إلى القصف المتقطع الذي يذكّر الجميع بأن الحرب لم تنسحب بالكامل، بل غيّرت شكلها فقط.
وتكشف شهادات مواطنين في أحاديث منفصلة واقعا مختلفا، حيث لا يزال الخوف، والنزوح، وانعدام الأمان يسيطر على تفاصيل الحياة اليومية.
"الحياة هي هي… لم يتغير شيء" يصف المواطن إبراهيم حنيف، الحياة قبل الحرب وبعدها، قائلا: "عندما كانت الحرب وعندما انتهت، الحياة لم تختلف كثيرا لا يوجد شيء تغير. نحن نخرج للعمل، لكن الناس لا تملك أموالا لتدفع أجورنا. لا يوجد حياة آمنة، الخوف مستمر، وحتى معاناة شحن الهاتف وتعبئة المياه ما زالت كما كانت".
هذا الشعور يتفق مع ما يقوله الشاب محمد الريفي، الذي يرى أن الحرب توقفت في الإعلام فقط، بينما في الواقع لا تزال حاضرة. القصف قد يحدث في أي لحظة، والاتفاقيات تُخرق، والناس تعيش على حافة القلق".
ويضيف الريفي: "صحيح أن بعض البضائع دخلت وانخفضت أسعارها، لكن ما قيمة انخفاض الأسعار إذا كانت الجيوب فارغة؟ السيولة شبه معدومة، والحياة باتت تعتمد على تطبيقات إلكترونية تعقد مصالح المواطنين بدل أن تسهلها".
أما المواطن أبو عائد، فكان يعتقد أن الهدنة ستجلب الأمان. لكنه اليوم يشعر أن الوضع ازداد سوءا، فالمساعدات التي كان يأمل دخولها لم تصل كما توقع، والقصف ما زال يتكرر، وإن بوتيرة أقل. الهدوء بالنسبة له هش، لا يمنح الطمأنينة ولا يبدد الخوف.
وفي زاوية أخرى من المشهد، تتحدث المواطنة نجاح السكافي عن انتقالها من منزل في شمال غزة إلى غرفة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
تصف السكافي المكان بأنه "يشبه القبر"، حيث الجرذان والكلاب، ولا سرير مريح، ولا راحة، فيما لديها أسيران وثالث مصاب، وزوج مصاب، وكل ما كانت تملكه أنفقته بسبب الغلاء.
تقول: "اليوم، حتى مع انخفاض بعض الأسعار، لا نملك مالا لنشتري شيئا,, القصف مستمر، والأمان غائب، والنوم بلا خوف صار أمنية بعيدة".
المعاناة نفسها تعيشها الشابة الفلسطينية نعمة العش، النازحة منذ عام كامل في خيمة غرقت بها شتاء واحترقت صيفا.
تقول: إن الأسعار ربما انخفضت، لكن المال غير موجود. زوجها بلا عمل منذ عامين، ولديها ستة أطفال، وكل ما تطلبه ليس أكثر من كرفان يحميهم من المطر والشمس، ويمنحهم شيئا من الكرامة والاستقرار.
وبين هذه الأصوات، تشير المواطنة مريم الجمل، أم لأربعة أطفال، إلى أن التغيير بعد وقف إطلاق النار ليس جذريا، فالقصف ما زال يحدث، وأهلها في جباليا يعيشون في خطر دائم، فيما استشهد بعض أفراد عائلتها بعد إعلان الهدنة، والمساعدات قليلة، والخوف لا يغادر البيوت.
وبين انخفاض أسعار جزئي، ودخول بضائع محدودة، تبقى الحقيقة الأثقل أن الأمان لم يعد بعد، وأن الحياة في غزة ما زالت معلقة بين خوف لم يغادر، وهدنة لم تكتمل.
والحقيقة، أن وقف إطلاق النار قد خفف من صوت القصف، لكنه لم يوقف معاناة النزوح، ولا أزمة المال، ولا القلق الذي يسكن البيوت والخيام،، الناس في غزة اليوم، لا يبحثون فقط عن الطعام… بل عن طمأنينة غائبة، وعن حياة طبيعية ما زالت بعيدة المنال.
