ليبيا تكشف تفاصيل أولية للتحقيقات في اغتيال سيف الإسلام القذافي

كشف النائب العام الليبي عن التفاصيل الأولية للتحقيقات المتعلقة باغتيال سيف الإسلام القذافي (54 عاماً)، مؤكداً أنّ الواقعة نتجت من تعرّض الأخير لأعيرة نارية أدت إلى وفاته. وأوضح مكتب النائب العام، في بيان، اليوم الأربعاء، أنّ تحرّك المحققين "جاء بناءً على قرار صادر عن النائب العام لاستيفاء المعلومات اللازمة حول الواقعة، عقب تلقي بلاغ من ذوي سيف الإسلام معمر القذافي". 

وأضاف أنه "على إثر البلاغ، انتقلت فرق التحقيق إلى مكان الحادث، حيث جرى ضبط المتعلقات ذات الصلة، وندب الخبراء المختصين، إلى جانب سماع أقوال الشهود وكل من يمكن أن يقدم إيضاحات تفيد في مجريات البحث الابتدائي". وبيّن المكتب أنّ "المحققين، برفقة أطباء شرعيين وخبراء في مجالات متعددة تشمل الأسلحة والبصمات والسموم، عاينوا جثمان المتوفى، وأسفرت المناظرة عن إثبات تعرض المجني عليه لإطلاق نار أصابه بإصابات قاتلة".

وأكد النائب العام الليبي أنّ "التحقيقات لا تزال مستمرة، مع التركيز على جمع أدلة الدعوى وتحقيقها، والعمل على تحديد دائرة المشتبه في تورطهم بارتكاب الجريمة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تمهيداً لإقامة الدعوى العمومية بحق من يثبت ضلوعه في الواقعة".

وفي سياق متصل، دعا رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، في بيان، جميع القوى السياسية إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، مشيراً إلى إعلان مكتب النائب العام مباشرة التحقيق في الحادثة. وذكّر المنفي، في أول بيان تصدره جهة رسمية ليبية، بأن التحقيقات تهدف إلى كشف ملابسات الواقعة وأسبابها، مؤكداً أن المجلس الرئاسي سيتابعها بدقة لضمان عدم الإفلات من العقاب.

وأعرب المنفي عن تفهمه لمصادر القلق السائدة، مُرحباً بالاستعانة بالدعم الفني والخبرات اللازمة وفق الأطر القانونية لتعزيز شفافية التحقيقات وسرعة إعلان نتائجها بما يعزز ثقة الرأي العام. وتقدم رئيس المجلس الرئاسي بالعزاء إلى أسرة سيف الإسلام وقبيلته، داعياً في الوقت ذاته القوى السياسية والإعلامية والاجتماعية إلى ضبط الخطاب العام ورفض التحريض، لتفويت الفرصة على المخططين لعملية الاغتيال. واعتبر رئيس المجلس الرئاسي أن الهدف من وراء هذه الواقعة هو ضرب جهود المصالحة الوطنية، وعرقلة إجراء انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب قيادته.

وكان المستشار السياسي لسيف الإسلام القذافي، عبد الله عثمان، قد أكد، أمس الثلاثاء، في تصريح لـ"العربي الجديد"، وقوع "عملية اغتيال مدبرة" جرت خلالها مداهمة مقر سكن سيف الإسلام بمدينة الزنتان غربي ليبيا، جنوب غرب العاصمة طرابلس. ونعى موسى إبراهيم، الناطق الرسمي السابق باسم نظام معمر القذافي، سيف الإسلام عبر تدوينة نشرها على صفحته الرسمية في "فيسبوك".

وكشف مصدر مقرّب من المجلس العسكري للزنتان، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أمس الثلاثاء، أنّ مكتب النائب العام كلّف النيابة العامة في مدينة الزنتان غربي ليبيا فتح تحقيق رسمي في حادثة اغتيال سيف الإسلام القذافي للوقوف على ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات، فيما طوقت عناصر أمنية من الزنتان محيط منزله ومنعت وصول أي أشخاص إلى المكان.

وفي التفاصيل، أوضح المصدر المقرّب من المجلس العسكري للزنتان أنّ عملية الاغتيال نُفذت "بشكل خاطف وسريع وفي توقيت مدروس"، عقب عودة سيف الإسلام القذافي من رحلة استجمام صحراوية كان معتاداً القيام بها بين الحين والآخر. وأضاف المصدر أنّ "ما تأكد حتى الآن وقوع اشتباك بين منفذي عملية الاغتيال والحراسة المرافقة لسيف، التي كان عددها محدوداً"، دون أن يكشف عن خسائر أو تفاصيل إضافية بشأن هوية المهاجمين.

ويقيم سيف الإسلام القذافي في مدينة الزنتان، أقصى غرب ليبيا، متنقلاً بين أحيائها المفتوحة على منطقة الحمادة الصحراوية منذ اعتقاله من قبل "كتيبة أبو بكر الصديق" التابعة لثوار الزنتان في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، وبقي في رعاية الكتيبة نفسها إلى حين إعلانها إطلاق سراحه عام 2017 تطبيقاً لقانون العفو العام الصادر عن مجلس النواب. ورغم إعلان الكتيبة حل نفسها عقب إطلاق سراحه، إلا أنها استمرت في توفير الحماية له منذ ذلك الوقت.

وتحفظ المجلس البلدي للزنتان ومستشفى المدينة، الذي يوجد فيه الجثمان، عن الإدلاء بأي تصريحات حول تفاصيل إضافية لـ"العربي الجديد"، بحجة وجود تحذير من سلطات التحقيق بهذا الشأن. غير أن شهود عيان أكدوا أن المدينة تعيش على وقع ارتباك واسع وانقسام كبير في صفوفها بين مؤيدي سيف الإسلام القذافي وفصائل أخرى تقع تحت الاتهام بالتفريط في أمنه. كذلك لم يتبين حتى الآن مصير مرافقي سيف الإسلام وحراسته، وكيف تمكن أربعة من المسلحين من اختراق المنطقة وتعطيل كاميرات مراقبة منزله، وتنفيذ عملية الاغتيال دون أن يلاحظهم سكان المنطقة.

وسيف الإسلام القذافي، المولود عام 1972، يُعد من أبرز أبناء العقيد الراحل معمر القذافي وأكثرهم حضوراً في منظومة حكم والده. ومع اندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط 2011، ظهر سيف الإسلام على شاشات التلفزيون الليبي مدافعاً بقوة عن نظام والده، ومهاجماً المحتجين بعبارات حادة، ليصبح أحد أبرز الوجوه التي تصدت للثورة في أيامها الأولى. وفي مايو/ أيار من العام نفسه، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق معمر القذافي وسيف الإسلام، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة.

وبعد اعتقاله في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 قرب مدينة أوباري، وظهوره في تسجيل مصور ويده اليمنى مضمدة، غاب سيف الإسلام عن المشهد العام لسنوات، قبل أن يعود إلى الواجهة السياسية في نوفمبر 2021، عندما تقدم رسمياً بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية من مدينة سبها، وأثار قبول أوراقه للترشح موجة واسعة من الجدل والاحتجاجات في عدد من المدن الليبية، ترافقت مع سجالات قانونية وأمنية حادة، انتهت بتعثر إجراء الانتخابات في ذلك العام.

ورغم عدم إجراء الاستحقاق الانتخابي، لم يغب سيف الإسلام كلياً عن المشهد السياسي، إذ ظل يظهر بين الحين والآخر عبر تدوينات متفرقة على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، معلقاً على بعض القضايا الإقليمية والدولية.