على غير المعتاد في فصل الشتاء، وفي وقت يُفترض أن يكون خارج مواسم الذروة، انفجرت أزمة خانقة على معبر الكرامة، مع تدفّق آلاف المعتمرين، لتتحول رحلة السفر للفلسطينيين إلى معاناة مفتوحة بلا سقف زمني ولا كرامة مصانة.
مساء الاثنين، اضطر مئات المسافرين إلى المبيت أمام استراحة أريحا، بعد ساعات طويلة من الانتظار وعدم التمكن من العبور، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما متجددا: لماذا يتحول السفر للفلسطيني إلى إذلال دوري؟ ولماذا تتكرر الأزمة دون حلول جذرية؟
وفق شهادات وروايات متطابقة لمسافرين، استغرقت رحلة العودة أكثر من 10 ساعات، ووصفت الطريق بأنها “مذلة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. انتظار طويل، واكتظاظ، وتراكم بشري وصراخ وتدافع لا يراعي مرضى ولا كبار سن ولا حالات إنسانية.
الأزمة لم تقف عند حدود الضغط العددي. شكاوى واسعة طالت سوء التنظيم لدى الجانب الأردني، وسط حديث متكرر عن رشاوى ومحسوبيات و”إكراميات” تُسرع مرور البعض على حساب الآخرين، في ممارسات تمس جوهر العدالة وكرامة المسافر الفلسطيني.
ومع تدفق آلاف المعتمرين دفعة واحدة، علت مطالبات واضحة بضرورة تنظيم أعداد المعتمرين وجدولتها وتوزيعها على كل العام وليس في مواقيت محددة، وأيضا وضع ضوابط لما أدى العمرة أكثر من مرة، حتى لا تتكرر الأزمة على حساب المسافرين العاديين أو المرضى، خصوصا أن هذا الضغط يحدث في فصل الشتاء، لا في موسم الذروة، ما ينذر بما هو أسوأ إن استمر الوضع على حاله.
أساس المشكلة، يكمن في ساعات عمل المعبر التي تقلصت كثيرا منذ بدء الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. تفتح إسرائيل المعبر من الساعة 8 صباحا حتى 1:30 ظهرا فقط، وهو ما جعل الأزمات تظهر حتى خارج مواسم الضغط، ويفرض عمليا ضرورة تمديد ساعات العمل كحد أدنى لتخفيف الاختناقات المتكررة.
الوزير الفلسطيني السابق حسن أبو لبدة وصف ما يجري بأنه “مأساة حقيقية”، مطالبا بضغط شعبي واسع لتمديد ساعات فتح المعبر. وفي حديث إذاعي، دعا أبو لبدة السلطة الفلسطينية إلى أن تكون جزءا من هذا الحراك، بل وذهب أبعد من ذلك حين طالبها بالتهديد بإغلاق المعبر من الجانب الفلسطيني كوسيلة ضغط على إسرائيل من أجل انتزاع حقوق المسافرين.
في الجانب الأردني، تبرز حاجة ملحّة إلى تنظيم أدق وضبط صارم لكل المظاهر التي تحط من كرامة المسافر الفلسطيني، ووضع حد لأي ممارسات تمييزية أو غير قانونية. فالأزمة، كما يقول مسافرون، تتكرر كل فترة، ويصبح السفر معها فعل إذلال جماعي وانتظار طويل بلا أفق.
أسئلة معلّقة… وإجابات مطلوبة
اليوم، لا يطالب الشارع الفلسطيني بالوعود، بل بالإجابات:
هل مارست الحكومة الفلسطينية ضغطا فعليا على إسرائيل لتمديد ساعات العمل؟
هل هناك متابعة يومية لما يجري على الأرض؟
هل شاهد المسؤولون بأنفسهم مشاهد المبيت والانتظار؟
ما طبيعة التواصل مع الجانب الأردني؟
وهل فُتحت قنوات مع جهات دولية للضغط وإنهاء هذا النزيف الإنساني؟
إلى أن تُقدم هذه الإجابات، سيبقى “عذاب الجسر” عنوانا دائما لمعاناة الفلسطيني، وسيتحول السفر مرة أخرى من حق إنساني بديهي… إلى اختبار قاسٍ للكرامة والصبر.
