علاء مطر
بصراحة، لا أعرف حتى الآن كيف انخدع جزء من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية وحتى الخارج، وخصوصا النخب، في حركة حماس وصدقوا أنها حركة مقاومة هدفها تحرير فلسطين! فكيف تكون كذلك وهي فرع لجماعة الإخوان المسلمين التي صنعها الغرب لضرب فكرة العروبة ومناهضة الحركات والأنظمة التقدمية والتحررية، وهي بالمناسبة حتى اليوم لا تنكر أن ولاءها للإخوان المسلمين؟
كيف يثق البعض بهذه الحركة وهي تُعلن ليل نهار بأنها جزء من محور المقاومة الإيراني الشيعي الفارسي، وموقف إيران معروف تاريخياً بمعاداة العرب وبانت مواقفها في نشر الفتنة الطائفية وتدمير أربعة دول عربية ثم تخلت عن غزة وتركتها لمصيرها المحتوم، وكيف تكون حماس حركة تحررية تهدف للقضاء على إسرائيل بينما حليفتها تركيا العضو في حلف الأطلسي والتي تربطها علاقات استراتيجية مع اسرائيل لم تزعزعها حتى حرب الإبادة والتطهير العرقي التي استمرت أكثر من 15 عشرا؟
كيف تكون حركة مقاومة معادية لإسرائيل وأمريكا، ومقر قادتها ومن يتبناها وينشر فكرها ويضخم دورها، دولة قطر، التي تضم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية، وقناة الجزيرة التي يشارك في رأسمالها اسرائيليون, ومكلفة بخلق الفتنة والفوضى في العالم العربي؟ وكيف تكون حركة مقاومة وجهاد وقد عملت على إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وطرحت نفسها بديلا عنها في وقت كانت المنظمة العدو الرئيس لإسرائيل وتسعى للقضاء عليها، كما شاركت العدو في صناعة الانقسام وأدت سيطرتها على غزة إلى حصار القطاع وخمسة مواجهات عسكرية آخرها حرب الإبادة؟
كل ذلك حتى تبقى في السلطة فيما تبقى من قطاع غزة حتى في ظل الاحتلال، عندما تكون هذه محصلة (مقاومتها وجهادها) وعندما يكون حلفاؤها هؤلاء، لا يمكن الاستغراب من تصاعد حدة الانتقادات من قبل الشيوخ ورجال الدين في غزة تجاه سلوك حركة حماس، معتبرين أن تصرفاتها تتنافى مع القيم الدينية والأخلاقية، والتي كان أبرزها من الشيخ الدكتور سلمان بن نصر الداية، أستاذ الفقه وأصوله والعميد السابق لكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بغزة، الذي نشر فتوى ناقدة لسياسة حماس بقطاع غزة، والتي كتب من خلالها أن الحركة تخالف حكمة القرآن الكريم وأن سياستها تضر بشكل مباشر في سكان القطاع المحاصر والمجوع.
وعلى الرغم من أن الدكتور الدايه، يعد أحد أبرز العلماء الذين يمثلون السلطة الدينية في القطاع، وأن رأيه الشرعي له ثقل كبير بين سكان القطاع البالغ عددهم مليوني نسمة، إلا أن فتواه لقيت انتقادات واسعة من قبل حماس ومناصريها بسبب ما أسمته "انتهاك المبادئ الإسلامية التي تحكم الجهاد"، فيما كثرت في الآونة الأخيرة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تشكك في حالة الشيخ، وصلت الى حد اتهامه بالردة والخيانة، لكن الفتوى أثارت جدلا واسعا في الأوساط الفلسطينية والعربية، حيث اعتبرها البعض تحدياً لسياسات حماس ودعوة لمراجعة استراتيجياتها.
والجديد في الأمر، إعراب العديد من سكان غزة عن غضبهم من إطلاق الصواريخ من مناطق مأهولة بالسكان، مما يعرض حياتهم للخطر ويجعلهم أهدافاً للردود الإسرائيلية. هذا الاستياء الشعبي يعكس تزايد الفجوة بين القيادة السياسية والعسكرية لحماس وبين القاعدة الشعبية التي تعاني من تبعات هذه السياسات.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث تتعرض غزة لعمليات عسكرية متكررة تؤدي إلى سقوط ضحايا وتدمير البنية التحتية، مما يزيد من معاناة السكان ويعمق الأزمات الإنسانية في القطاع.
الحقيقة، تعكس هذه الانتقادات المتصاعدة من قبل الشيوخ ورجال الدين في غزة تزايد الوعي بضرورة مراجعة السياسات الحالية لحركة حماس، والبحث عن حلول تتوافق مع القيم الدينية وتحمي أرواح المدنيين وتخفف من معاناتهم المستمرة..فهل نجد آذانا صاغية في حركة لا تسمع الا لقادتها وشيوخهم؟