فلسطينيتان أنقذتا حيفا من الأمونيا وبانتظار منقذتين من مفاعل ديمونا

الامونيا

رام الله الإخباري

يضع التداخل الديمغرافي بين السكان العرب واليهود في الجليل وفي سائر مناطق الداخل الفلسطيني، في كثير من الأحيان، الطرفين أمام أخطار مشتركة، خاصة في حالات وقوع كوارث جماعية طبيعية أو غير طبيعية، مثل الحروب والهجمات التي يصعب فيها وخلالها التمييز بين المجموعتين السكانيتين.

في حرب 2006 على سبيل المثال، ورغم كل النوايا الحسنة التي أبداها حزب الله تجاه الفلسطينيين في  الداخل ، والادعاء الكاذب بأن عزمي بشارة كان يوجه الصواريخ، لقي 19 فلسطينيا من سكان القرى والمدن شمال الداخل الفلسطيني مصارعهم بصواريخ حزب الله، وهو ما يشكل ثلث إجمالي القتلى المدنيين في إسرائيل.

وإذا كان الأمين العام لحزب الله قد دعا خلال الحرب سكان حيفا العرب إلى مغادرة المدينة، كي لا يتعرضوا للأذى، فإن انعدام الدقة في تصويب الصواريخ قديمة الصنع، تسبب بقتل مواطنين فلسطينيين في مجد الكروم وترشيحا والعرامشة والمغار والناصرة.

الوضع أعقد وأصعب بكثير عندما يجري الحديث عن استخدام الأسلحة غير التقليدية، أو أسلحة الدمار الشامل، ومع أن الأمر لم يوضع على محك التجربة، الا أن الهلع الذي ساد إسرائيل عشية حرب الخليج الأولى من إمكانية استخدام العراق للأسلحة الكيماوية كان شاملا أيضا. ولم يتبدد خوف الفلسطينيين سوى بعد التأكد من أن الصواريخ العراقية لا تحمل رؤوسا كيماوية، وأنها تسقط في تل أبيب أساسا، عندها فقط بدأ العرب، يرقصون، على حد تعبير الاعلام الإسرائيلي، فوق أسطح المنازل.

التعبير الذي تناقلته الناس عندنا على لسان صدام حسين 'بدي أنقّي عدس'، كان صحيحا أو مجازيا، ورغم أنه لم يوضع على المحك فإنه يعكس الواقع المتشابك، الذي يعني أن الفلسطينيين في إسرائيل، سيدفعون أيضا ثمن أي (انتصار) أو حرب متكافئة بين العرب وإسرائيل، مثلما دفعوا الثمن في حرب لبنان، وأن هذا الثمن سيكون غير محتمل عندما يجري الحديث عن أسلحة دمار شامل.

والحال كذلك فبقدر الفرحة التي غمرت النفوس، من تهديد الأمين العام لحزب الله الذي قال فيه إن حاوية الأمونيا ستكون في الحرب القادمة هي سلاح الدمار الشامل ضد إسرائيل، فرحة اكتشاف سلاح الردع وامتشاقه من قبل الطرف الأضعف في معادلة تمتلك فيها إسرائيل مئات الرؤوس النووية، بنفس القدر تشارك عرب حيفا ومنطقتها، مع اليهود، قلق الخطر الوجودي الذي تشكله الحاوية المذكورة على مصيرهم فيما لو استهدفت من قبل صواريخ حزب الله أو لم تستهدف بهذه الصواريخ.

ولا غرابة في أن محامية عربية هي جميلة هردل واكيم مديرة 'جمعية مواطنين من أجل البيئة'، هي التي أيقظت القسم القضائي في بلدية حيفا من سباته، وحركته للتوجه لمحكمة الشؤون المحلية بطلب إصدار أمر احترازي بإفراغ حاوية الأمونيا، وذلك في إطار دعوى إدارة مشغل دون ترخيص كانت مركونة في المحكمة منذ ست سنوات. وللمفارقة فإن القاضية التي أصدرت الأمر الاحترازي، عربية أيضا وهي غادة بصول. وبذلك تكون المرأتان اللتان وضعا إصبعا في ثقب السد ومنعتا إغراق شوارع حيفا بالبول، على حد تعبير المحامي أفيغدور فيلدمان، هما عربيتان.

فيلدمان الذي أشاد في مقال نشرته 'هآرتس' هذا الأسبوع بشجاعة المرأتين اللتين كانتا وراء إصدار قرار وقف عمل الحاوية التي تربض بدون ترخيص خلال 30 سنة ممتلئة بـ 12 طنا من الأمونيا، هي عبارة عن بول مكرر برائحتها وطعمها المماثل، والتي إذا ما حررت زنادها وقذفت محتواها ستتسبب بقتل مئات الآلاف من البشر غرقا وخنقا وحرقا.

ورغم تجميد قاضية المحكمة المركزية القرار الى حين الحصول على رد شركة 'كيماويات حيفا' التي تدير الحاوية، إلا أن فيلدمان لا يتوقع أن تستطيع المحكمة الوقوف أمام العجلة التي انطلقت، وهو إذ يستمع إلى حسن نصر الله يتحدث عن الحاوية وعن خردة أخرى، وفق تعبيره، تبعد عنها 230 كيلومترا، حيث تعمل هناك منذ 55 عاما حاوية كل الحاويات، المفاعل النووي في ديمونا، الذي يصفه بأنه  صدئ ومهلهل هو ليس بحاجة حتى إلى صاروخ كبير بل يكفي برميل طائر، مثلما أطلقوا في حينه على صواريخ صدام حسين في حرب الخليج الأولى، لإحداث كارثة نووية.

في هذا الصدد يقول فيلدمان، إنه بانتظار محامية  فلسطينية  من الجنوب، امرأة من مواطني الحد الأدنى، لتأخذ الملف وتتوجه به إلى محكمة الشؤون المحلية في ديمونا، إذا وجدت، عسى أن تجد قاضية بدوية من رهط  تصدر أمرا، بين أمري إغلاق شرفة وإغلاق كشك فلافل، بإغلاق المفاعل الذي يشكل خطرا على سكان المنطقة والدولة كلها، على حد تعبيره. 

عرب 48