بعدما فقد صيادو غزة الصيد في بحر القطاع وضاقت بهم سبل العيش، وفقدوا معداتهم ومصادر رزقهم بفعل الحرب، باتوا يغوصون بحثًا عن كتل الإسمنت العالقة في حطام سفينة غارقة منذ نحو خمسين عامًا؛ مخاطرةً بحياتهم من أجل تأمين قوت عائلاتهم، في بحرٍ لم يعد يمنحهم ما اعتادوا أن يعودوا به إلى الشاطئ.
دفعت قسوة الظروف الصياد يوسف محمد سيد كسكين، إلى تغيير وجهته في البحر؛ فبدلًا من مطاردة الأسماك، أصبح يبحث في أعماقه عن كتل الإسمنت المتحجرة، مستعينًا بأدوات بسيطة، وأملٍ بأن يجد في حطام السفينة ما يسدّ به رمق عائلته.
يشير إلى أن العمل في استخراج الاسمنت بدأ حين اكتشف الصيادون وجود كميات من الإسمنت في بقايا السفينة الغارقة، فقرروا استخراجها وبيعها، بعدما تراجعت فرص الصيد، وانقطعت بهم سبل الرزق.
ويقول في مقابلة لمعا :«اكتشفناها جديد، وصرنا نطلع منها الإسمنت لأنه ما في سمك في البحر ولا صيد، إحنا بدنا نعيش، ومضطرين نطلع الإسمنت حتى نقدر نبيعه، المواطن يستفيد وإحنا نستفيد».
وتبدأ الرحلة بنزول الغطاسين إلى عمق نحو ثلاثة أمتار، حاملين مطارق وأدوات حديدية لتكسير كتل الإسمنت المتصلبة والمتلاصقة. لا أسطوانات أكسجين ترافقهم، ولا معدات متطورة تحميهم؛ يعتمدون على أنفاسهم، فيغوصون لدقيقة أو دقيقتين، ثم يعودون إلى السطح لالتقاط أنفاسهم، قبل أن يكرروا المحاولة، بحسب كسكين.
يتابع، في الأعلى، ينتظر زملاؤه سحب الكتل بالحبال إلى الحسكة، ثم نقلها إلى الشاطئ، عملٌ شاق تتضافر فيه الأيدي، فيما تظل المخاطر حاضرة في كل غطسة، وكل محاولة لانتزاع قطعة إسمنت من قاع البحر.
ويضيف الغطاس والصياد تامر كسكين:«أنا صياد سمك وبنغطس على السمك، لكن لما وجدنا مشاطيح الإسمنت صرنا نطلع منها الإسمنت، إحنا بنشتغل تحت المي، والشغل خطر جدًا جدًا».
ويوضح أن تحت مياه البحر ورشة كبيرة لاستخراج الاسمنت رغم مخاطر العمل الصعبة والشامة عدا عن الساعات الطويلة.
يحاول يوسف كريزم، رغم إصابته وآلام ساقه، أن يحمل ما يستطيع من الكتل الثقيلة. لا تسمح له ظروفه بالتوقف طويلًا؛ فهناك عائلة تنتظر، واحتياجات يومية لا تعرف التأجيل.
يتابع، الغوص في عمق البحر لأمتار معدودة متعبة جدا سيما أن الأدوات جدا بسيطة عدا عن الأنفاس المحبوسة.
فيما، يحاول يوسف كريزم، رغم إصابته وآلام ساقه، أن يحمل ما يستطيع من الكتل الثقيلة، لا تسمح له ظروفه بالتوقف طويلًا؛ فهناك عائلة تنتظر، واحتياجات يومية لا تعرف التأجيل.
و قال كريزم المصاب منذ عام ٢٠١٤ من جيش الاحتلال الاسرائيلي :«بشتغل حتى أقدر أطلع رزق إلي ولعائلتي، الحجر ثقيل، والشغل صعب، ورجلي بتتأثر، بنشيل الإسمنت وبنتعب، وفوق هذا في إطلاق نار من الطرادات والزوارق علينا، وبالعافية بنقدر نجيب مصروفنا وأكلنا».
ولم يختر هؤلاء الصيادون هذا العمل بحثًا عن مكسبٍ إضافي، بل بعدما خسروا ما كانوا يملكونه من أدوات الصيد خلال الحرب، الحسكات وشباك الغزل ومستلزمات العمل لم تعد متاحة كما كانت، والبحر الذي كان مصدر رزقهم بات عاجزًا عن تأمين احتياجاتهم، فصار الإسمنت المتحجر بديلًا اضطراريًا عن الأسماك.
