رام الله الإخباري
يقف الطفل محمد بركة في زاوية صفه بمخيم تعليمي، شمالي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، يعيد مسح بقايا الرماد والرداء الحجري عن قطعة بلاط باردة، ثم يجلس، دون أن يجد ما يسند ظهره.
لا مقعد خشبي يحمل حقيبته المتآكلة، ولا طاولة يسند عليها كراسته، فقط الفرشات البدائية أو السطح الخرساني القاسي، هو كل ما يجمعه برحلة العلم في عامه الدراسي الجديد.
وبدأ العام الدراسي في قطاع غزة متأخرًا، في التاسع عشر، من ديسمبر الجاري، وسط تحديات ومعيقات كبيرة، بسبب استمرار العدوان وتدمير معظم المدارس، وعدم قدرة الكثير من الطلاب على الالتحاق بالتعليم.
نازح مكان الطالب والعكس
وعلى مقربة من المدرسة المحطمة، تستقبل المشهد الميداني للتعليم في القطاع، فالنازحون الذين تقطعت بهم أسباب الحياة اتخذوا من بقايا الغرف المدرسية ملاذاً وأسقفاً تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء.
وفي المقابل، اضطر الطلبة إلى الخروج نحو الخيام المقامة في الساحات الترابية ليتابعوا دروسهم على الأرض.
ولم تقتصر قسوة المشهد على غياب المقاعد والبيئة التعليمية، بل امتدت لتطال أرواح الصغار داخل ما يفترض أنها مراكز للتعليم.
ويواجه الأطفال خطر القصف المباشر وإطلاق النار الذي يستهدف الخيام والمدارس الصامدة بين الحين والآخر، وهو ما أدى إلى استشهاد عدد من الطلبة وهم ينصتون لمدرسيهم داخل الفصول وأسفل أقمشة الخيام.
أمنية الجلوس ونوبة القصف
"نفسي أكون على كرسي وبنك كما في السابق"، يقول الطالب محمد بركة (9 أعوام) بابتسامة يكسوها الخجل.
هذه الكلمات قالها وهو يفرش قطعة قماش صغيرة فوق البلاط، متذكراً طاولته الخشبية التي دُمرت مع المبنى الرئيسي لمدرسته خلال الحرب.
ويضيف لوكالة "صفا": "أصابعي تؤلمني من الكتابة وأنا مستلقٍ على بطني فوق الأرض، ونشتاق لرؤية السبورة والمقاعد".
يبادله الحديث الطالب خالد البريم، مندفعاً "اليوم ثاني يوم بالمدرسة، وخرجنا واليهود يطلقوا الرصاص".
وتُظهر جولة في عدد من المدارس التي بقيت صامدة جزئياً عن حجم المأساة، أثاث مدرسي محطم بالكامل، وصفوف بلا أبواب أو نوافذ، وطلبة يتزاحمون فوق فرشات إسفنجية رقيقة استُجلبت بجهود ذاتية.
كما بدا على المدارس النقص الحاد في الدفاتر والمستلزمات الأساسية، ومستلزمات الإعمار جراء الحصار واستهداف البنية التحتية التعليمية، حتى المراحيض فيها، تفتقر لأدنى وصفها بذلك.
ولم تخفِ الطفولة شغفها بالعودة، رغم القسوة والخطر المستمر، إذ تعبر الطالبة إيمان منصور (10 أعوام) عن أملها البسيط.
تقول لوكالة "صفا، "أتمنى أن تعود مدرستنا آمنة، وأن نملك طاولات بدل الفرشات على الأرض".
بانتظار موافقة من دمّرها
الطالبة بالثانوية يارا عبد، بمدرسة النمروطي في مدينة حمد شمالي خانيونس، تقول "عدنا للدراسة على فرشات، والسنة الماضية كان على الأرض بدون شيء".
وتتساءل "لما لا يدخل الاحتلال لنا مقاعد، هذا فوق القصف والمدرسة خالية من أي شيء، حتى الحمامات فارغة".
تصيف لوكالة "صفا"، أن "أغلب الوقت نكتب ودفاترنا على ركبنا، وصرنا نخاف من أي صوت انفجار، بسبب كثرته في النهار والليل وصوت الزنانات والرصاص".
وفي الوقت الذي يواجه فيه آلاف الطلبة هذا الواقع البدائي الشاق والمحفوف بالخطر، أفاد مصدر خاص لوكالة "صفا" بأن وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع مؤسسات دولية وداهمة، تعمل على إدخال دفعة من الأثاث المدرسي الجديد إلى قطاع غزة قادمة من الأردن.
وأوضح المصدر أن الموافقة من سلطات الاحتلال الإسرائيلي لإدخال هذه الشحنة، لم تصل بعد.
ووفقًا لإحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فقد تعرض نحو 90% من مدارس قطاع غزة للتدمير الكلي أو الجزئي البليغ جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل.
ودمر الاحتلال كلياً أكثر من 190 مدرسة وجامعة وأخرجها عن الخدمة، في حين تضررت مئات المدارس الأخرى جزئياً وتحولت إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين، مما حرم أكثر من 638 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم المنتظم.
صفا
