تراجعت حصة الصناعة في الاقتصاد الفلسطيني إلى 16.25% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، وهي أدنى قيمة مسجلة في السلسلة المتاحة منذ 1994، وفق بيانات البنك الدولي.
وبحسب البيانات التي راجعها "الاقتصادي"، انخفضت حصة الصناعة من 16.67% في 2023 إلى 16.25% في 2024، لتبقى دون متوسطها التاريخي البالغ 20.35% خلال الفترة 1994-2024، وكذلك دون المتوسط العالمي البالغ 25.48%، استنادًا إلى بيانات 181 دولة.
ولا تعني الصناعة هنا المصانع فقط. فالمؤشر يشمل، وفق تعريف البنك الدولي، التعدين، والصناعات التحويلية، والبناء، والكهرباء، والمياه، والغاز. أي أنه يقيس الوزن الاقتصادي للقطاع الصناعي بمعناه الواسع، لا التصنيع وحده.
وتظهر البيانات أن حصة الصناعة في فلسطين بلغت ذروتها في 1994 عند 33.15% من الناتج المحلي، قبل أن تتراجع تدريجيًا خلال العقود اللاحقة، وصولًا إلى أدنى مستوى لها في 2024. وخلال السنوات الأخيرة وحدها، انخفضت الحصة من 19.23% في 2017 إلى 18.43% في 2019، ثم 17.03% في 2020، و17.39% في 2022، و16.67% في 2023، قبل أن تصل إلى 16.25% في 2024.
هذا التراجع لا يعني أن الصناعة اختفت من الاقتصاد الفلسطيني، لكنه يكشف محدودية وزنها مقارنة بالخدمات، ومحدودية قدرة القطاع الصناعي الواسع على استعادة الحصة التي كان يشغلها في بداية السلسلة الزمنية.
التصنيع أفضل نسبيًا من الصناعة ككل
وعند النظر إلى الصناعات التحويلية وحدها، تظهر صورة مختلفة نسبيًا. فقد بلغت حصة التصنيع من الناتج المحلي 11.32% في 2024، مقارنة بـ11% في 2023، وبمتوسط تاريخي يبلغ 11.58% للفترة 1994-2024. كما أن هذه النسبة قريبة من المتوسط العالمي البالغ 11.50%، وفق بيانات 170 دولة.
وهذا يعني أن التصنيع، وهو الجزء الأهم داخل الصناعة، لا يزال قريبًا من متوسطه التاريخي، بينما يتراجع وزن الصناعة بمفهومها الأوسع. وبالأرقام، تظهر المؤشرات المرتبطة أن القيمة المضافة للصناعة بلغت 2.60 مليار دولار في 2024، منها 1.81 مليار دولار للصناعات التحويلية، ما يعني أن التصنيع يشكل نحو 70% من القيمة المضافة الصناعية.
لكن بقاء التصنيع عند حدود 11% من الناتج لا يكفي وحده لتغيير بنية الاقتصاد، خصوصًا في ظل سيطرة قطاع الخدمات على الحصة الأكبر من النشاط الاقتصادي.
الخدمات تتصدر المشهد
في المقابل، بلغت حصة الخدمات من الناتج المحلي الفلسطيني 60.21% في 2024، مرتفعة من 58.80% في 2023، ومتجاوزة متوسطها التاريخي البالغ 58.61%. كما جاءت أعلى من المتوسط العالمي البالغ 56.43%، وفق بيانات البنك الدولي.
وتشمل الخدمات قطاعات واسعة مثل التجارة، والنقل، والخدمات المالية، والتعليم، والصحة، والعقارات، والإدارة العامة، والفنادق والمطاعم، وغيرها من الأنشطة التي لا تقوم على إنتاج سلعي مباشر.
وبالمقارنة بالقيمة المضافة، تظهر المؤشرات المرتبطة أن الخدمات حققت 9.64 مليار دولار في 2024، مقابل 2.60 مليار دولار للصناعة و1.81 مليار دولار للتصنيع. أي أن القيمة المضافة للخدمات تعادل نحو 3.7 أضعاف القيمة المضافة للصناعة، وأكثر من خمسة أضعاف القيمة المضافة للصناعات التحويلية.
هذه الفجوة تفسر جانبًا من طبيعة الاقتصاد الفلسطيني: اقتصاد يميل بقوة نحو الخدمات، بينما يبقى الإنتاج الصناعي أضيق وزنًا في الناتج.
الزراعة أقل من الصناعة والخدمات
أما الزراعة، فبلغت حصتها من الناتج المحلي 5.52% في 2024، صعودًا من 4.88% في 2023، لكنها بقيت دون متوسطها التاريخي البالغ 8.79%، وكذلك دون المتوسط العالمي البالغ 10.18%، وفق بيانات البنك الدولي التي راجعها "الاقتصادي".
وبذلك، تظهر البنية القطاعية للاقتصاد الفلسطيني بثلاث طبقات رئيسية: خدمات واسعة تقود الناتج، صناعة محدودة الوزن مقارنة بمتوسطها التاريخي والعالمي، وزراعة أقل حصة رغم أهميتها الاجتماعية والغذائية.
مع ذلك، يجب الانتباه إلى أن هذه النسب لا تُجمع بطريقة حسابية بسيطة لإنتاج 100%، لأن مكونات الناتج المحلي تشمل بنودًا أخرى مثل الضرائب مطروحًا منها الدعم، كما أن التصنيع جزء من الصناعة وليس قطاعًا منفصلًا عنها.
لماذا يهم وزن الصناعة؟
أهمية الصناعة لا تقاس فقط بحصتها من الناتج. فالقطاع الصناعي يرتبط عادة بفرص العمل، وسلاسل الإنتاج، والتصدير، وتقليل الاعتماد على الواردات، وخلق قيمة مضافة من المواد والمدخلات المحلية.
لذلك، فإن بقاء حصة الصناعة عند 16.25% يطرح سؤالًا اقتصاديًا أوسع: كيف يمكن توسيع قاعدة الإنتاج في اقتصاد تغلب عليه الخدمات، ويواجه في الوقت نفسه قيودًا على الحركة والطاقة والتجارة والوصول إلى الأسواق؟
فارتفاع حصة الخدمات ليس مشكلة بحد ذاته، إذ تمثل الخدمات جزءًا أساسيًا من أي اقتصاد حديث. لكن الاختلال يظهر عندما تتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية، خصوصًا الصناعة، إلى مستويات تقل عن متوسطها التاريخي والمتوسط العالمي.
وتزداد أهمية هذا السؤال في الحالة الفلسطينية، حيث ترتبط قدرة الصناعة على النمو بعوامل لا تتعلق بالمصانع وحدها، بل تشمل كلفة الطاقة، توفر التمويل، سهولة النقل، الوصول إلى المواد الخام، المعابر، المناطق الصناعية، والقدرة على التصدير والمنافسة في الأسواق الخارجية.
اقتصاد خدمات بقاعدة إنتاج محدودة
تقول الأرقام إن الصناعة الفلسطينية لا تزال حاضرة، لكن وزنها في الاقتصاد أصبح أضعف مما كان عليه تاريخيًا. كما أن التصنيع، رغم قربه من المتوسط العالمي كنسبة من الناتج، لا يزال محدود الحجم مقارنة بقطاع الخدمات.
وفي المقابل، تعزز الخدمات موقعها بوصفها القطاع الأكبر في الاقتصاد، بينما تبقى الزراعة والصناعة في موقع أقل وزنًا من حيث المساهمة في الناتج المحلي.
الخلاصة أن المشكلة ليست في وجود قطاع خدمات واسع، بل في ضيق القاعدة الإنتاجية المقابلة له. فاقتصاد يعتمد على الخدمات وحدها يصبح أكثر حساسية للصدمات في الدخل والاستهلاك والإنفاق العام، بينما توفر الصناعة قاعدة أوسع للإنتاج والتشغيل والتصدير.
وبين حصة صناعية بلغت 16.25%، وخدمات تتجاوز 60% من الناتج، تبدو المعادلة واضحة: الاقتصاد الفلسطيني يحتاج إلى خدمات قوية، لكنه يحتاج أيضًا إلى قطاع صناعي أكبر قدرة على الإنتاج، وربط السوق المحلي بسلاسل قيمة أوسع، وخلق فرص عمل تتجاوز النشاط الخدمي المباشر.
