"اقتحامات جماعية ورقصات استفزازية، وأغانٍ وطقوس تلمودية علنية وسجود ملحمي".. هكذا استباح المستوطنون باحات المسجد الأقصى المبارك، يوم الأحد، إحياءً لما يسمى "يوم الغفران" اليهودي.
ولتأمين اقتحامات المستوطنين، حوّلت شرطة الاحتلال مدينة القدس المحتلة وبلدتها القديمة إلى ثكنة عسكرية، ونشرت المئات من عناصرها ووحداتها الخاصة في شوارع المدينة وأزقتها، وسط إجراءات وتضييقات مشددة فرضتها على المصلين الوافدين للمسجد الأقصى.
واليوم، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير و963 مستوطنًا باحات الأقصى، ونظموا جولات استفزازية، وأدوا طقوسًا تلمودية ورددوا شعارات توراتية في المنطقة الشرقية من المسجد، تلبيةً لدعوات أطلقتها "جماعات الهيكل" المتطرفة بمناسبة "يوم الغفران".
وفي هذا اليوم، يواجه التجار المقدسيون قيودًا مشددة على حركة تنقلهم، ويجدون صعوبة في الوصول إلى محالهم التجارية ومزاولة أعمالهم وحياتهم الاعتيادية، بفعل الإغلاقات والتشديدات الإسرائيلية.
ويُعد "عيد الغفران" في الشريعة اليهودية يوم عطلة كاملة يحظر فيه على اليهود (الشغل، إشعال النار، الكتابة بالقلم، تشغيل السيارات، تناول الطعام والشرب، الاستحمام، المشي بالأحذية الجلدية، وأعمال أخرى)، ويتم تخصيص ساعاته للعبادة.
تطور ملحوظ
ويقول مدير مركز القدس الدولي حسن خاطر إن المسجد الأقصى يشهد تكثيفًا غير مسبوق في الاقتحامات، بالتزامن مع تطور ملحوظ في السلوكيات والعبادات والطقوس التي يمارسها المستوطنون داخل باحاته.
ويضيف خاطر في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن هناك تصرفًا إسرائيليًا وكأن الأمور حُسمت باتجاه تحويل المسجد الأقصى إلى كنيس يهودي، أو جعله جزءًا من كنيس، وأن ما يجري من ممارسات يتم على هذا الأساس.
ويرى أن من أشد الصور إثارة للقلق ما حدث يوم الجمعة، عندما اقتحمت شرطة الاحتلال مصلى باب الرحمة في الجهة الشرقية من المسجد الأقصى، أثناء خطبة الجمعة.
ويمثل ما جرى، وفق خاطر، تحديًا كبيرًا وصارخًا وخطوة غير مسبوقة، بدخول جنود الاحتلال وشرطته إلى وسط المصلين بهذه الطريقة، وكأن "هذا السلوك يُسقط قدسية المكان بالكامل في نظر الاحتلال، وكأن المسجد عبارة عن سوق أو ملعب كرة قدم أو ما شابه".
ويشير إلى أن الاقتحام تم دون أي ضوابط أو اعتبار لقدسية المكان والصلاة، أو حرمة المصلين ومكان العبادة.
وسبقت هذه الاقتحامات بساعات، اقتحام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى جانب آلاف المستوطنين، حائط البراق غربي المسجد الأقصى، بالتزامن مع تشديد الاحتلال إجراءاته في البلدة القديمة ومحيط المسجد.
وبهذا الصدد، يقول خاطر: إن "ما يجري يعكس تعامل الاحتلال مع المسجد الأقصى على اعتبار أنه مقدس يهودي، أو أنهم أصحاب هذا المقدس، وبالتالي يحق لهم التصرف فيه كما يشاؤون".
ويعتبر أن ذلك يمثل استهتارًا خطيرًا جدًا بالمقدسات وبمشاعر المسلمين، ليس في القدس وحدها، وإنما في العالم الإسلامي، مؤكدًا أن المسجد الأقصى يحظى بمنزلة المسجد الحرام والمسجد النبوي، باعتباره أحد الأماكن المقدسة الكبرى لدى المسلمين.
ويتابع أن "جنود الاحتلال يقتحمون قلب المسجد الأقصى، ولا أحد يتحدث، ولا يستنكر أو يشجب أو يطالب بحماية المسجد والمقدسات الإسلامية في فلسطين".
ويؤكد أن ما يجري في المسجد الأقصى، وكذلك المسجد الإبراهيمي في الخليل، أمر غير مسبوق في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي، ويُنذر بأن ما هو قادم سيكون أسوأ في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.
ومن وجهة نظر خاطر، فإن "اقتحام نتنياهو وبن غفير لحائط البراق دلالة على أن اقتحامهما للمكان وممارسة الطقوس ورفع الشعارات والنفخ في البوق، أصبحت وكأنها أمور عادية لا تستنكر ولا تستغرب، حتى من مختلف الأطياف الإسلامية، وبالذات القيادات السياسية والمؤسسات".
ويحذر خاطر من أن الكارثة تكمن في عزل القدس والمسجد الأقصى بشكل كامل عن المصلين، بل عزلهما حتى عن أعداد كبيرة من أهلنا في الداخل المحتل، الذين لا يستطيعون في كثير من الأحيان الوصول إلى المسجد، ولا سيما خلال الأعياد اليهودية.
ويضيف أن الأمور تتجه نحو مزيد من العزل والإبعاد والاحتكار للمسجد الأقصى، إلى جانب مزيد من التحكم والتسلط عليه.
ويخلص إلى أن هذه مؤشرات خطيرة وغير مسبوقة في الوقت ذاته، تُنبئ بأن ما هو قادم سيكون أسوأ في حال استمرار الوضع على ما هو عليه اليوم.





