لم تكن الأسقف الخرسانية التي انهارت فجر اليوم فوق رؤوس عشرات النازحين في بناية "السعادة"، بمدينة غزة سوى فصلٍ جديد من حكاية موت مؤجل، يعيشه مئات آلاف المواطنين.
هؤلاء النازحون أجبرتهم ظروف الحرب وانعدام الخيارات على الاتكاء على جدرانٍ متصدعة تحولت إلى مقابر موقوتة تنتظر لحظة الانهيار.
ففي حادثة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، استيقظت غزة على فاجعة انهيار مبنى "السعادة" المكون من ست طبقات تضم 24 شقة سكنية في شارع الصناعة، ليحاصر تحت ركامه، عشرات الأطفال والنساء.
ولم يجد هؤلاء الضحايا مظلةً تقيهم ويلات النزوح، سوى بناية تعرضت لاستهداف مباشر أضعف بنيتها العمرانية، قبل أن تهوي بالكامل عليهم، ليفتحوا بذلك ملف قنابل موقوتة تركها جيش الاحتلال، على شكل مبانٍ آيلة للسقوط.
وتجسد هذه الفاجعة الامتداد الكارثي لحوادث متكررة شهدها قطاع غزة خلال الأشهر الماضية، لا سيما مع تجدد المنخفضات الجوية والأمطار الشديدة في الشتاء.
وخلال الموسم الماضي، تحولت العديد من المنازل المتصدعة في مخيمات الشاطئ وجباليا والنصيرات إلى مصائد للموت.
وفي حينه، تسربت المياه إلى الأساسات المتهالكة وانهارت أسقفها فوق قاطنيها، لتسجل المنطقة عشرات الضحايا ممن صرعهم الركام المتساقط، استكمالًا لما فعلته الصواريخ.
وأمام مقتلة الخيام التي تجرفها الرياح وتغرقها مياه البحر والأمطار، وانعدام مراكز الإيواء البديلة أو البيوت المتنقلة "الكرفانات"، يجد المواطنون أنفسهم مدفوعين إلى خيارين أحلاهما مرّ.
وتنحصر خيارات المواطنين بين العراء التام تحت قسوة الطقس، أو المخاطرة بالعيش تحت كتل خرسانية معلقة تنتظر أدنى هزة لتهوي"، في مشهد مأساوي يعيشه نحو مليوني شخص كابدوا إبادة جماعية على مدار ثلاث سنوات.
أرقام صادمة
من جانبه، يستعرض مسؤول الإعلام في وزارة الأشغال العامة والإسكان محمد شقلية، في حديث لوكالة "صفا"، أرقامًا صادمة تعكس حجم الدمار غير المسبوق في البنية العمرانية بالقطاع.
ويقول "وثّقت الوزارة تضرر نحو 410 آلاف وحدة سكنية بين تدمير كلي وجزئي وبليغ غير قابل للسكن، منذ عام، بعد حرب الإبادة على غزة".
ويوضح شقلية أن من بين هذا الرقم الهائل هناك أكثر من 3 آلاف مبنى خطِر ولا يصلح للسكن، أو به كتل خرسانية خطيرة.
ويشدد على أن هذه المباني تشكل خطرًا حقيقيًا على من يضطر لسكنها وعلى المجاورين والمارة، نظراً لاحتوائها على آلاف الأسقف والكتل الخرسانية الآيلة للسقوط في أي لحظة.
"القادم أكثر قسوة"
وفي السياق نفسه، يدق مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، ناقوس الخطر تحذيراً من "القادم الأكثر قسوة".
ويقول الثوابتة لوكالة "صفا"، إن مصير عشرات الضحايا من الأطفال والنساء ما زال مجهولاً تحت أنقاض بناية "السعادة"، في ظل إعاقة الاحتلال المتعمدة لعمليات الانتشال عبر رفضه إدخال المعدات والآليات اللازمة.
ويوضح أن ضحايا هذه الحادثة يضافون إلى أكثر من 8,500 مفقود ما زالوا تحت الأنقاض في مختلف المحافظات.
ويحذر من أن آلاف البنايات المتصدعة في قطاع غزة ما زالت مهددة بالانهيار المفاجئ، مبينًا أن الكارثة الكبرى أنها لا تزال مأهولة بالنازحين، لعدم وجود أي بدائل أو مساحات جغرافية لإقامة مراكز إيواء.
ويحمّل الثوابتة الاحتلال والمجتمع الدولي المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذه الكارثة والتدهور الإنساني الذي يعيشه أكثر من 2.4 مليون إنسان.
ويشدد على أن رفع الحصار وفتح المعابر، وإدخال آليات ومعدات الإنقاذ، مطلب عاجل لوقف هذه الكوارث.
وانهارت، فجر اليوم، بناية سكنية مكونة من 24 شقة في 6 طوابق، لجأ إليها النازحون لعدم توفّر بدائل إيواء، رغم تعرّضها لأضرار جراء قصف إسرائيلي سابق في منطقة الصناعة غربي مدينة غزة.
وتمكّنت طواقم الدفاع المدني من انتشال 20 شهيدًا (حتى 12:30 ظهرًا) من تحت أنقاض البناية، فيما تحاول البحث عن نحو 60 مفقودًا تحت الأنقاض.
وطالب جهاز الدفاع المدني المجتمع الدولي، والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، ومجلس السلام والمسؤول المباشر فيه نيكولاي ملادينوف، بالتدخل الفوري والعاجل والوقوف أمام مسؤولياتهم الكبيرة، للضغط على الاحتلال لإدخال المعدات الثقيلة والحفارات والجرافات اللازمة لعمليات الانتشال والتدخل الإنساني.
