تشدد جديد في مخالفات السير برام الله.. الاعتراض قائم والتخفيض لم يعد مضمونًا

رام الله الإخباري

منذ بداية الشهر، يتحدث مراجعون لمحكمة صلح رام الله عن تغير في طريقة التعامل مع الاعتراضات المقدمة على مخالفات السير، بعدما كانت هذه الاعتراضات، المعروفة شعبيا باسم “الاسترحام”، تنتهي في حالات كثيرة إلى تخفيض قيمة المخالفة.

مواطنون تحدثوا لـ"الاقتصادي" قالوا إن الاعتراضات لم تعد تعطي النتيجة التي اعتادها كثيرون سابقا، إذ باتت قيمة المخالفة تثبت كما وردت في عدد من الحالات، بدل تخفيضها وفق الهامش الذي كان معمولا به سابقا.

 بحسب مراجعين، كانت مخالفة بقيمة 150 شيكلا قد تنخفض بعد الاعتراض إلى 100 شيكل، بينما كانت مخالفة بقيمة 300 شيكل تنخفض أحيانا إلى 150 أو 200 شيكل. أما اليوم، كما يقولون، فقد أصبح الاعتراض أقل جدوى من الناحية المالية.

وتوجه مراسل "الاقتصادي" إلى قلم السير في محكمة صلح رام الله للاستفسار عن شكاوى مواطنين بشأن تراجع أثر الاعتراضات على مخالفات السير. وبحسب ما أبلغ به المراسل، فإن تقديم الاعتراضات لم يلغ، وما زال بإمكان المواطنين مراجعة المحكمة والاعتراض على المخالفات وفق الإجراءات المعمول بها، إلا أن التعامل مع هذه الاعتراضات لم يعد كما كان سابقا، إذ لم تعد التخفيضات تمنح بالوتيرة أو بالقيم التي اعتادها مراجعون في سنوات سابقة.

وهذا يعني أن التغير، وفق ما رصده "الاقتصادي"، لا يتعلق بإغلاق باب الاعتراض، إنما بتراجع أثره العملي على قيمة المخالفة. فالمواطن يستطيع تقديم الاعتراض، لكن النتيجة التي كان يتوقعها سابقا، كتخفيض مخالفة 150 شيكلا إلى 100 شيكل، أو 300 شيكل إلى 150 أو 200 شيكل، لم تعد مضمونة.

قانونيا، تختص محكمة الصلح بالنظر في جرائم المرور وفق قانون المرور الفلسطيني رقم 5 لسنة 2000، ما يجعل المحكمة محطة أساسية للمواطنين الذين يختارون الاعتراض بدل الدفع المباشر ضمن المهلة القانونية. لكن ما يظهر في رام الله، وفق الشهادات وما أبلغ به مراسل "الاقتصادي" في قلم السير، لا يبدو تعديلا في أصل القانون، بل تغيرا في التطبيق العملي أو في حدود استخدام هامش التقدير عند النظر في بعض المخالفات.

وتأتي هذه الشهادات في ملف واسع الأثر على السائقين وأصحاب المركبات. فإحصاءات صادرة عن إدارة المرور في الشرطة الفلسطينية لعام 2025 أظهرت تحرير 255,563 مخالفة مرورية في الضفة الغربية، إلى جانب تسجيل 15,088 حادث سير، و108 وفيات، و10,755 إصابة، منها 168 إصابة خطيرة. كما شملت إجراءات الشرطة فحص 665,420 مركبة، وإنزال 8,881 مركبة عن الشارع، وضبط 10,340 مركبة للتحقق من قانونيتها، وإتلاف 3,144 مركبة غير صالحة للسير.

وتظهر أرقام منشورة استنادا إلى إحصاءات الشرطة أن محافظة رام الله والبيرة جاءت في المرتبة الأولى بعدد المخالفات المرورية في 2025، مسجلة 84,025 مخالفة، تلتها نابلس بـ69,138 مخالفة، ثم الخليل بـ53,312 مخالفة. وتعني هذه المحافظات الثلاث نحو 206,475 مخالفة، أي قرابة 81% من إجمالي المخالفات المرورية المسجلة في الضفة الغربية خلال العام.

بهذه الأرقام، لا يعود النقاش حول “الاسترحام” تفصيلا إجرائيا محدودا. فمخالفات السير تمس شريحة واسعة من السائقين، خصوصا في محافظة مثل رام الله والبيرة، حيث تتداخل الكثافة المرورية مع النشاط التجاري والوظيفي والخدمي، وتصبح المخالفة جزءا من كلفة الحركة اليومية.

بالنسبة للمواطن، الفارق بين دفع 150 شيكلا أو 100 شيكل، أو بين 300 شيكل و200 شيكل، يبدو محدودا عند النظر إلى مخالفة واحدة. لكنه يصبح أكبر عندما تتكرر المخالفات أو تتراكم على مركبة واحدة، خاصة في ظل أزمة دخل ورواتب منقوصة وارتفاع تكاليف المعيشة. لذلك، كان الاعتراض بالنسبة لبعض السائقين وسيلة لتخفيف العبء المالي، لا لمنازعة جوهر المخالفة دائما.

وفي سياق قضائي أوسع، كان مجلس القضاء الأعلى قد أعلن في شباط/فبراير الماضي أن المحاكم النظامية أصدرت أحكاما مشددة بحق عدد من مرتكبي مخالفات السير الجسيمة التي تمس السلامة العامة وأمن مستخدمي الطريق، مشيرا إلى فرض غرامات وعقوبات متناسبة مع طبيعة الأفعال وخطورتها، وبما يحقق مقتضيات العدالة والردع. غير أن هذا الإعلان لا يوضح ما إذا كان ما يرويه مراجعون في محكمة صلح رام الله بشأن تراجع تخفيض مخالفات “الاسترحام” يعكس توجها عاما، أو اجتهادا داخل المحكمة، أو اختلافا في تقدير كل ملف على حدة.

وهنا تظهر المعادلة الحساسة: هل يؤدي تقليل تخفيض المخالفات إلى تعزيز الردع والانضباط المروري؟ أم أنه يحول الاعتراض من مساحة مراجعة وتخفيف إلى إجراء محدود الأثر بالنسبة للمواطن؟

مواطنون تحدثوا لـ"الاقتصادي" قالوا إنهم لم يعودوا يرون فائدة حقيقية من تقديم الاعتراض إذا كانت النتيجة في النهاية تثبيت قيمة المخالفة كما هي. ويقول أحدهم إن “المشكلة ليست في دفع مخالفة مستحقة، بل في أن المواطن كان يعرف أن المحكمة تنظر إلى ظروفه وتخفف أحيانا، أما الآن فيشعر أن الخيار العملي صار الدفع فقط”.

اقتصاديا، يمثل هذا التحول أثرين متقابلين. فمن جهة، قد يعزز الالتزام بقواعد السير إذا شعر السائقون أن المخالفة ستدفع كاملة ولن تخفض بسهولة. ومن جهة أخرى، يزيد العبء النقدي على الأسر والسائقين، خاصة العاملين على المركبات أو من تتطلب أعمالهم حركة يومية في المدن المزدحمة.

ولا تعني هذه القراءة الدفاع عن المخالفات المرورية أو التقليل من خطورتها. فحوادث السير ما زالت تكلف المجتمع أرواحا وإصابات وأموالا وجهدا عاما. لكن السؤال المطروح يتعلق بتوازن السياسة المرورية بين الردع والعدالة الفردية، وبين تثبيت الغرامة كأداة انضباط، والإبقاء على مساحة تقدير تراعي طبيعة المخالفة وظروف المواطن وسجله.

كما أن غياب توضيح رسمي حول ما إذا كان ما يجري في محكمة صلح رام الله سياسة جديدة، أو توجيها إداريا، أو اجتهادا قضائيا داخل قاعات السير، يترك الباب مفتوحا للتأويلات. فالمواطن يرى النتيجة العملية: اعتراضات أقل أثرا، ومخالفات تدفع كما هي. أما الخلفية القانونية أو الإدارية لهذا التوجه فلا تزال بحاجة إلى شرح من الجهات المختصة.

في المحصلة، يكشف ما يرويه مراجعون لمحكمة صلح رام الله، وما أبلغ به مراسل "الاقتصادي" في قلم السير، عن تغير ملموس في تجربة الاعتراض على مخالفات السير: الباب لم يغلق، لكن التخفيض لم يعد كما كان. ومع أكثر من ربع مليون مخالفة مرورية في الضفة خلال عام واحد، يصبح السؤال أوسع من حالة فردية: هل نحن أمام تشدد مروري هدفه الردع، أم أمام تضييق لهامش كان يستخدم لتخفيف العبء عن المواطنين؟ وفي الحالتين، يحتاج الجمهور إلى وضوح أكبر حول قواعد الاعتراض، وحدود سلطة المحكمة، والمعايير التي تحدد متى تخفض المخالفة ومتى تثبت كما هي.

الاقتصادي