أعربت الحكومة البريطانية عن استنكارها الشديد للتصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي ألمح فيها إلى تحول المملكة المتحدة إلى ما وصفه بـ 'جمهورية إسلامية' تمتلك قدرات نووية. ووصفت لندن هذه الادعاءات بأنها غير مقبولة على الإطلاق، مؤكدة أنها قامت بخطوات رسمية للاحتجاج لدى تل أبيب.
جاءت هذه التصريحات المثيرة للجدل خلال مشاركة نتنياهو في بودكاست بثته إذاعة الجيش الإسرائيلي، حيث استعرض رؤيته لمستقبل التحالفات الدولية وموقف بريطانيا الحالي من الصراع في المنطقة. وقد اعتبر مراقبون أن هذا الخطاب يتبنى سرديات اليمين المتطرف التي تروج لمخاوف ديموغرافية ودينية في القارة الأوروبية.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات الدبلوماسية، صرح متحدث باسم الحكومة البريطانية بأن لندن لن تتهاون مع مثل هذه التوصيفات التي تفتقر للمسؤولية. وأشار إلى أن القنوات الدبلوماسية بدأت بالفعل في نقل رسائل احتجاج واضحة للحكومة الإسرائيلية تطالب بتوضيحات حول خلفية هذه التصريحات وتوقيتها.
من جانبه، حاول المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية، ديفيد مينسر، التخفيف من حدة التوتر عبر منصات إعلامية دولية، مدعياً أن نتنياهو لم يكن يعبر عن رأيه الشخصي. وأوضح مينسر أن رئيس الوزراء كان يقتبس كلمات سبق أن تفوه بها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مناسبات سابقة.
وكان جي دي فانس قد أثار موجة من الانتقادات في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2024، عندما صرح بأن بريطانيا قد تصبح أول دولة إسلامية حقيقية تمتلك سلاحاً نووياً. ويبدو أن نتنياهو اختار استعادة هذه المقولة في سياق انتقاده للسياسات البريطانية الجديدة التي يراها معادية لمصالح إسرائيل.
تأتي هذه الأزمة في وقت تشهد فيه العلاقات بين لندن وتل أبيب فتوراً ملحوظاً، خاصة بعد قرار بريطانيا الاعتراف بدولة فلسطين العام الماضي. هذا التحول في السياسة الخارجية البريطانية أثار حفيظة الأوساط اليمينية في إسرائيل التي اعتبرت الخطوة مكافأة لما تصفه بالإرهاب.
علاوة على ذلك، يتبنى رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بورنم، نهجاً أكثر صرامة تجاه الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. وقد صرح بورنم مؤخراً بأن حكومته تدرس بجدية فرض حظر على سلع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، التزاماً بالقانون الدولي.
ولم تقتصر الخلافات على الملف الفلسطيني فحسب، بل امتدت لتشمل الموقف من إيران، حيث نأت لندن بنفسها عن المشاركة في عمليات عسكرية قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير الماضي. هذا الموقف المستقل أثار تساؤلات في تل أبيب حول مدى التزام بريطانيا بالتحالف الاستراتيجي التقليدي.
نتنياهو، الذي يضع منع إيران من امتلاك سلاح نووي على رأس أولوياته، استخدم المقارنة ببريطانيا للتحذير مما يراه خطراً داهماً. وأشار في حديثه الإذاعي إلى ضرورة ضمان عدم ظهور 'جمهورية إسلامية' أخرى في المنطقة، في إشارة مباشرة إلى طهران وبريطانيا على حد سواء.
وتطرق رئيس الوزراء الإسرائيلي في المقابلة إلى التاريخ، مستذكراً الدعم الذي قدمه حفيد ونستون تشرشل لإسرائيل في حرب عام 1967. وتساءل بنبرة تهكمية عما إذا كان من الممكن العثور على مثل هذا الدعم في النخبة السياسية البريطانية الحالية، مما يعكس عمق الفجوة بين الطرفين.
ويرى محللون أن لجوء نتنياهو لهذا النوع من الخطاب يعكس رغبته في استمالة اليمين المتطرف في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة. فاستخدام مصطلحات مثل 'الشريعة' و'الجمهورية الإسلامية' يهدف إلى دغدغة مشاعر القواعد الانتخابية التي تخشى من التغيرات الثقافية في أوروبا.
في المقابل، شددت مصادر بريطانية على أن المملكة المتحدة تظل دولة ديمقراطية ذات سيادة، وأن محاولات التدخل في شؤونها الداخلية عبر تصريحات تحريضية لن تمر دون رد. وأكدت المصادر أن لندن ستستمر في ممارسة ضغوطها من أجل وقف إطلاق النار في غزة وحماية المدنيين.
ختاماً، تذكر هذه الحادثة بالتوترات التاريخية المرتبطة بالملف النووي في العالم الإسلامي، حيث تظل باكستان الدولة الوحيدة التي تمتلك هذا السلاح منذ عام 1998. ويبدو أن نتنياهو يحاول توظيف هذا التاريخ لإثارة مخاوف أمنية عالمية تربط بين الدين والقدرات العسكرية الاستراتيجية.
