للعام الثاني على التوالي، تواصل آلة الاحتلال الإسرائيلي تدمير المخيمات الفلسطينية الواقعة شمال الضفة الغربية، وخصوصا مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، حيث تم تهجير سكانها وتحويلها إلى مناطق مغلقة عسكريا، وتدمير البنية التحتية فيها بشكل شبه كامل، بذريعة الوضع الأمني، وادعاء أن تلك المخيمات تشكل تهديدا كبيرا على "إسرائيل".
ومنذ يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت "إسرائيل" إطلاق عملية "السور الحديدي" التي تستهدف المخيمات، حيث دمر الجيش المنازل والشوارع وشبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء والاتصالات، وكل البنية التحتية، باستخدام الجرافات العسكرية الكبيرة والآليات الثقيلة والمتفجرات. كما عمد إلى شق طرق جديدة وإقامة ثكنات عسكرية، وتدمير منازل بحجة تفكيك البنية التحتية للفصائل الفلسطينية والمسلحين.
لكن مختصين في الشأنين السياسي والإسرائيلي يرون أن حجم الدمار الكبير الذي طال البنية التحتية والمنازل، واستمرار عمليات التدمير، ومنع السكان من العودة إلى منازلهم، يثير الكثير من التساؤلات حول الهدف الحقيقي من وراء هذه العمليات العسكرية، مؤكدين أن الأمر يتجاوز الاعتبارات الأمنية التي تتذرع بها "إسرائيل"، ليشمل تغيير طبيعة المخيمات، والتهجير القسري للسكان، وصولا إلى ضرب رمزية المخيمات التاريخية في القضية الفلسطينية.
أكثر من 33 ألف نازح
ووفقا لتقرير صادر عن "الأونروا"، فإن أكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ما زالوا نازحين ومهجرين قسرا عن منازلهم، معتبرة أن ما جرى يمثل أكبر عملية نزوح تشهدها الضفة الغربية منذ النكسة.
وقبل يومين، قرر جيش الاحتلال تمديد أوامر الإغلاق العسكري المفروضة على تلك المخيمات حتى نهاية الشهر المقبل، رغم أنه كان من المقرر انتهاء تلك العمليات في هذه الأيام، وهو ما اعتبره مختصون في الشأن الإسرائيلي مؤشرا على مشروع تهجير أكبر من كونه مجرد عملية عسكرية، خصوصا في ظل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة.
وذكر المختصون أن الأمر لا يقتصر على إغلاق المخيمات، بل امتد إلى نشر مئات الحواجز والبوابات العسكرية، وعزل قرى وبلدات محافظتي جنين وطولكرم عن بعضها البعض، وعن المحافظات المجاورة.
وتسببت هذه الإغلاقات والحواجز والتضييقات الإسرائيلية في دفع المواطنين الفلسطينيين إلى سلوك طرق وعرة وبعيدة للوصول إلى أعمالهم ومدارسهم ووظائفهم ومستشفياتهم، فيما لم تسلم سيارات الإسعاف وشاحنات البضائع من التأخير المتعمد والمتواصل.
فاتورة فلسطينية لدمار إسرائيلي
ويرافق الأضرار السياسية لهذه العمليات العسكرية الإسرائيلية أضرار اقتصادية أيضا، فتدمير البنية التحتية يدفع الحكومة الفلسطينية والبلديات، التي تعاني أصلا من أزمة مالية غير مسبوقة، إلى العمل على إعادة إعمارها، مما يلقي على عاتقها أعباء كبيرة، إذ إن عمليات إزالة الركام وإصلاح الطرق والبنية التحتية تحتاج وحدها إلى ميزانيات ضخمة وداعمين، في وقت تعاني فيه الموازنة الفلسطينية من أزمات متعددة.
ووفقا لتقدير اقتصادي صادر عن البنك الدولي، فإن الأضرار التي لحقت بالطرق والبنية التحتية في تلك المخيمات تصل تكلفة إصلاحها إلى أكثر من 25 مليون دولار، فيما بلغت تقديرات أضرار قطاع الإسكان نحو 16 مليون دولار أخرى.
ويرى اقتصاديون يتابعون أوضاع المخيمات في الضفة الغربية أن الخسائر لا تقتصر على تكلفة الإسمنت والأنابيب والأسفلت، بل تمتد إلى خسائر الأيدي العاملة، والأسواق، والمحال التجارية التي توقفت عن العمل، والعمال الذين فقدوا وظائفهم، بالإضافة إلى تكاليف إيواء العائلات النازحة.
ضرب المخيم بصفته رمزا
ولعل استهداف جيش الاحتلال للمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية يحمل دلالات تتجاوز البعد العمراني، إذ يأتي أيضا استهدافا للمخيمات بصفتها رمزا، بعدما بقيت شاهدا حيا على النكبة الفلسطينية عام 1948، وارتبط وجودها بقضية اللاجئين وحقهم في العودة إلى مدنهم وقراهم الأصلية.
لذلك يرى حقوقيون أنه لا يمكن قراءة استهداف الاحتلال للمخيمات، وتوسيع الطرق داخلها، وهدم المنازل الملاصقة، وتهجير سكانها قسرا، باعتباره مجرد عملية عسكرية أمنية بمعزل عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من 75 عاما.
وبحسب مراقبين، فإن الهدف الأساسي من تدمير البنية التحتية وشق طرق واسعة داخل أزقة المخيمات المكتظة هو تسهيل حركة الآليات العسكرية، وفرض سيطرة دائمة على المخيمات، بعد سنوات طويلة من صعوبة اقتحامها بسبب طبيعتها العمرانية.
وترى منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن عمليات التهجير، وتدمير مئات المنازل، ومنع الأهالي من العودة، ترقى إلى تهجير قسري، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.
وتتزايد المخاوف، في ظل الظروف الراهنة، من تحول هذه الإجراءات إلى واقع دائم، وتحويل التهجير إلى أمر واقع مستمر، بما يؤدي إلى فصل اللاجئين الفلسطينيين عن تاريخهم ومخيماتهم وأزقتها وذكرياتها.
وعلى مدار الصراع، يتحول دمار آلة الحرب الإسرائيلية إلى أداة ضغط مستمرة على الشعب الفلسطيني، من خلال إنهاك المواطن، واستنزاف الحكومة الفلسطينية، وإعادة تشكيل المخيمات بما يخدم سيطرة جيش الاحتلال. لكن، رغم كل ذلك، تبقى القضية الفلسطينية حاضرة، ويبقى الفلسطيني متمسكا بأرضه وحقوقه.
