قال الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة إن الحديث المتداول عن وجود ضغط أميركي مرتقب على الحكومة الإسرائيلية أو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للإفراج عن إيرادات المقاصة الفلسطينية أو جزء منها، أو التخفيف من القيود الاقتصادية المفروضة على الضفة الغربية، ما يزال في إطار التسريبات الإعلامية دون وجود أي مصدر رسمي أو موثق من الإدارة الأميركية أو الحكومة الإسرائيلية.
وأضاف عفانة في حديثه لـ"الاقتصادي" أن معظم ما نشر حول هذا الملف جاء عبر قناة "13" الإسرائيلية، فيما تبع ذلك سلسلة من التحليلات والتفسيرات الإعلامية، إلا أن ذلك لا يرقى إلى مستوى الموقف الرسمي أو وجود قرار أميركي واضح بشأن الضغط على إسرائيل في هذا الاتجاه.
وأشار إلى أن إسرائيل "تسابق الزمن" لترسيخ واقع قانوني وسياسي بشأن احتجاز أموال المقاصة، لافتاً إلى التوجهات داخل الكنيست الإسرائيلي نحو قوننة خصم مخصصات قطاع غزة، بعد أن كانت الاقتطاعات السابقة تتم في بعض الحالات بقرارات حكومية.
وأوضح أن إسرائيل بدأت منذ عام 2019 باحتجاز جزء من أموال المقاصة من خلال قانون أقره الكنيست يتعلق بخصم مخصصات أسر الشهداء والأسرى، فيما جرى خصم مبالغ مرتبطة بقطاع غزة عام 2023 بقرار حكومي، مشيراً إلى أن التوجه الحالي يتمثل في تحويل هذه الاقتطاعات إلى قوانين وتشريعات، بما يخلق واقعاً يصعب تغييره أمام أي حكومة إسرائيلية مستقبلية.
وبين عفانة أن المبالغ التي قرر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خصمها منذ شهر أيار/مايو 2025 بقرار مباشر منه، قد تكون الأكثر قابلية للضغط السياسي من أجل الإفراج عنها، لكنه استبعد في الوقت ذاته أن يكون أي ضغط أميركي مرتقب هدفه الحقيقي الإفراج عن أموال المقاصة لصالح الشعب الفلسطيني.
ورأى أن أي ضغط أميركي محتمل قد يرتبط بمحاولة تمويل "مجلس السلام" في قطاع غزة، في ظل عدم نجاح الإدارة الأميركية في تأمين تمويل كافٍ له، محذراً من تحويل جزء من إيرادات المقاصة الفلسطينية لهذا الغرض.
وقال: "هذه أموال فلسطينية خالصة، وليست منحة أو مكرمة من أحد، والسلطة الفلسطينية ما زالت تتحمل مسؤولياتها تجاه قطاع غزة، بما يشمل قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وبالتالي فإن اقتطاع أي جزء من المقاصة لصالح أي جهة أخرى يعني أن السلطة ستدفع مرتين؛ مرة عبر الإنفاق على غزة، ومرة عبر خصم جزء من إيراداتها".
وأكد أن "مجلس السلام" لم يقدم حتى الآن، بحسب تقديره، أي أثر ملموس على الأرض في تخفيف معاناة المواطنين في قطاع غزة، ما يجعل استخدام أموال المقاصة لتمويله أمراً مرفوضاً من الناحية السياسية والاقتصادية.
وفي سياق آخر، أشار عفانة إلى أن التجربة التاريخية للحكومات الإسرائيلية تظهر أن فترة الانتخابات تشهد عادة تشديداً في الإجراءات تجاه الفلسطينيين، وليس تخفيفاً لها، موضحاً أن الأحزاب الإسرائيلية غالباً ما تستخدم الملفات الفلسطينية في المنافسة الانتخابية.
وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ذات الطابع اليميني المتطرف، تعتمد في جزء كبير من قاعدتها الشعبية على خطاب التشدد، ما يجعل احتمالية اتخاذ خطوات حقيقية لتخفيف القيود الاقتصادية أو الإفراج عن أموال المقاصة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في تشرين الأول/أكتوبر 2026 أمراً مستبعداً.
وتابع: "سموتريتش وحزبه الصهيونية الدينية يواجهان وفق استطلاعات الرأي خطر عدم تجاوز نسبة الحسم، وبالتالي فإن تعزيز القاعدة الانتخابية قد يتم على حساب الفلسطينيين، وليس من خلال مبادرات تخفف عنهم".
وشدد عفانة على أن هذا التحليل لا يعني التسليم بالأمر الواقع، داعياً إلى عدم انتظار تغيرات داخل إسرائيل فقط، في ظل استمرار احتجاز مليارات الدولارات من أموال المقاصة.
وقال إن "المطلوب اليوم هو بناء استراتيجية وطنية فلسطينية تشارك فيها الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، لإطلاق حملة دولية سياسية ودبلوماسية وحقوقية وقانونية للإفراج عن إيرادات المقاصة".
وأضاف أن التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية مهم، لكنه لا يكفي، داعياً إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل، أو البحث في تكرار تجربة تحويل إيرادات المقاصة إلى طرف ثالث، كما حدث سابقاً عبر قنوات دولية، بما يضمن وصول الأموال للشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن أزمة المقاصة ليست الملف الاقتصادي الوحيد، بل تأتي ضمن منظومة أوسع من الضغوط الإسرائيلية تشمل أزمة تراكم الشيكل في المصارف الفلسطينية، وصعوبات العلاقة المصرفية مع الجانب الإسرائيلي، وأزمة العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل، وإغلاقات المعابر والحواجز، وأزمة جسر الكرامة.
وأكد أن "الخنق الاقتصادي الإسرائيلي يأخذ أشكالاً متعددة، ولذلك فإن مواجهة أزمة المقاصة تحتاج إلى تحرك وطني شامل، وليس إلى حلول جزئية أو فردية، بهدف الضغط على إسرائيل للإفراج عن الأموال الفلسطينية".
