حكاية أحمد ومحمد وشاح: دعا أن لا يتركه وحيداً فلحق به بعد شهرين

قبل شهرين، من أمام ثلاجة الشهداء في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط قطاع غزة، كان المصور الصحفي أحمد سمير وشاح يودع بحزن وألم شقيقه الشهيد المراسل "محمد" يبكيه بحرقة قلب، ولا يطلب سوى أن يلحقه ولا يتركه وحده، ولا يعلم أن دعواته كانت أقرب له من حبل الوريد، فودعه زملاؤه من نفس المكان ليكون شاهداً جديداً على جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين.

اُستشهد الزميل أحمد وشاح ويعمل مصوراً لقناة الجزيرة مباشر وشابان آخران بقصف إسرائيلي لمنزل في مخيم البريج وسط قطاع غزة بعد استهدافه بمسيرة.

ولحق أحمد بشقيقه الزميل محمد مراسل الجزيرة مباشر الذي استشهد في قصف إسرائيلي استهدف سيارته في شارع الرشيد غربي مدينة غزة في 8 أبريل/نيسان الماضي.

ومنذ ارتقاء المراسل محمد كان شقيقه المصور أحمد يتمنى أن يلحق بشقيقه ولا يتوانى عن البوح بأمنيته لزملائه في العمل، وقد كان يشعر بالحزن لعدم اللحاق بشقيقه بسرعة، حتى نال أخيراً من يتمنى.

ومن نفس المكان الذي ودعت فيه شقيقها محمد، تودع اليوم أحمد بكلمات موجعة: "لقد طلبتها وتمنيتها يا أحمد طويلاً، وربنا حقق أمنيتك، سلم على محمد ، اليوم إنت ارتحت لشوفة حبيبك محمد".

ورغم حزنها وألمها تضيف: "اليوم كنا مبسوطين، رغم وجع الفقد والفقدان، لكن أحمد كان دوماً يطلب أن يلحق بمحمد وتعذب كثير لفقدانه وها هو اليوم ينال ما يريد"


 

ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرض الصحفيون والعاملون في وسائل الإعلام لمخاطر غير مسبوقة أثناء تغطية الأحداث الميدانية، فيما تُشير بيانات مؤسسات إعلامية وحقوقية فلسطينية ودولية إلى أن غزة شهدت واحدة من أعلى حصائل الشهداء من بين الصحفيين خلال الحرب.

خالد الشطلي مصور قناة الجزيرة مباشر، أوضح أن الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة هم نقطة استهداف لطائرات الاحتلال الإسرائيلي، بذرائع واهية، فقط لكونهم ينقلون الحقيقة للعالم أجمع، ورصد الإبادة الجماعية عبر وسائل الإعلام الأمر الذي يزعج إسرائيل ويضيقها ذرعاً.

وأشار الشطلي إلى أن أحمد لم يكن الأول ولن يكون الأخير، لأن إسرائيل تكره الحقيقة التي ينقلها الصحفيون للعالم أجمع، عن جرائمها اليومية بحق المواطنين.

وبين، أن عدم محاسبة إسرائيل على جرائمها بحق الصحفيين، شجعها على ارتكاب المزيد من المجازر وعدم تقديم دعاوي جعلها تتمادى في قتل المزيد من المواطنين في القطاع.

المصور الصحفي محمد سكيك، رأى أن استهداف الصحفيين المتكرر، والذي أسفر بكل أسى عن ارتقاء أكثر من 265 شهيداً من زملائنا، ليس مجرد أرقام تُحصى، بل هو محاولة ممنهجة لاغتيال شهود العيان وحجب الحقيقة عن العالم. وقال سكيك:" خلف كل صحفي استُهدف قصة وإنسان جازف بحياته ليمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، وهذا الاستهداف المباشر يمثل انتهاكاً صارخاً لكافة المواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني الذي يُفترض أن يحمي الطواقم الإعلامية كمدنيين. "

وتابع:" رغم هذه الكلفة الباهظة والوجع الممتد، إلا أن الرسالة لم ولن تتوقف؛ فكلما غُيب قلم أو كُسرت عدسة، حمل الراية زميل آخر، لأن توثيق الحقيقة بالنسبة لنا ليس مجرد مهنة، بل هو عهد وواجب أخلاقي وإنساني سنستمر في تأديته مهما بلغت التضحيات."

الصحفية أميرة ‏‪‏أحمد، أكدت أن استهداف الزميل الصحفي أحمد وشاح جرح جديد في جسد الصحافة الفلسطينية.

ولفتت إلى أنها "كصحفية، تشعر أن استهداف أي زميل صحفي ليس مجرد خبر، بل وجع يُلامس كل من يحمل الكاميرا والقلم، وخسارة كبيرة للصحفيين وللشعب الفلسطيني بأكملها الذي يتابع الأخبار من خلالهم.

وبينت، أن استهداف الصحفيين من أخطر الانتهاكات التي تطال حرية العمل الإعلامي، إذ يؤكد القانون الدولي الإنساني أن الصحفيين المدنيين يتمتعون بالحماية أثناء النزاعات المسلحة ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية.

وبحسب لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، فقد اغتالت أكثر من 260 صحفيًا وعاملًا في المجال الإعلامي منذ بداية الحرب، لتصبح هذه الحرب الأكثر فتكًا بالصحفيين منذ بدء توثيق هذه الإحصاءات عام 1992.

وأوضحت أحمد، أن الصحفيين الفلسطينيين يواصلون عملهم رغم المخاطر اليومية، في محاولة لنقل الحقيقة وتوثيق معاناة المدنيين، بينما تتزايد المطالب الدولية بإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي طالت الإعلاميين، وضمان حمايتهم ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم.

واعتبرت، أن رحيل الزميل أحمد وشاح لا يمثل خسارة لعائلته وزملائه فحسب، بل خسارة للمشهد الإعلامي الفلسطيني بأكمله، ويجدد التأكيد على الثمن الباهظ الذي يدفعه الصحفيون في سبيل نقل الحقيقة من قلب الميدان.

الصحفي يوسف ديب يرى أن إسرائيل تتعمد استهداف الصحفيين، لإسكاتهم وطمس الحقيقة وإجبارهم علي عدم نقل الخبر والصورة للعالم أجمع، وهذا انتهاك واضح وصريح للقانون الدولي وحمايه الصحفيين.