مع دخول فصل الصيف وبدء العطلة المدرسية، يعود "كابوس" السفر عبر معبر الكرامة (الجسر) ليتصدر واجهة المعاناة اليومية للمواطن الفلسطيني. ورغم مرور عام كامل على تطبيق نظام "الحجز المسبق" عبر منصة "جت" الإلكترونية، والتي رُوّج لها كحلّ جذري ينهي طوابير الذل، إلا أن الوقائع على الأرض تثبت أن الأزمة تراوح مكانها، بل تزداد تعقيدًا مع ساعات العمل المقلّصة والوعود التي تبخرت مع تدفق المسافرين.
الحديث عن أزمة الجسر تدعمه لغة الأرقام الصادمة التي تعكس حجم الضغط الهائل على هذا الشريان الوحيد. فوفقاً للإحصائية السنوية الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للمعابر والحدود لحركة المسافرين عبر معبر الكرامة خلال عام 2025، بلغ إجمالي عدد المسافرين 1.55 مليون مسافر، توزّعوا بين 769 ألف قادم، و787 ألف مغادر.
هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر وتؤكد أن حركة بشرية بهذا الحجم المليوني لا يمكن حصرها في ساعات عمل مقلصة، أو اختزال حلولها في منصة إلكترونية عاجزة.
"أداة جباية"
لا يمكن إنكار أن فكرة تنظيم السفر عبر "الحجز المسبق" هي خطوة حضارية بحد ذاتها، وكانت لتشكل طوق نجاة لو طبقت في ظروف طبيعية وبكفاءة حقيقية لاستيعاب تلك الحشود المليونية. لكن الأزمة تكمن في أن هذه المنصة أُلقيت في بيئة مشلولة؛ فلا قيمة للتنظيم الإلكتروني في ظل محدودية ساعات العمل الرسمية على المعبر.
هذا الخلل البنيوي جعل المنصة تبدو في عين المواطن كأداة للتحصيل المالي والجباية أكثر منها وسيلة للتسهيل والتنظيم. فالمواطن يدفع الرسوم، لكنه لا يحصل في المقابل على الحد الأدنى من سلاسة السفر أو ضمانة العبور.
"السوق السوداء"
تتجلى عشوائية الإدارة الرقمية للملف في المعاناة اليومية لتوافر التذاكر؛ ففي كثير من الأيام، يتفاجأ المسافر بأن تذاكر المنصة قد "نفدت" بالكامل في غضون دقائق، لينتقل المشهد فورًا إلى صفحات ومجموعات التواصل الاجتماعي التي تعج بإعلانات بيع التذاكر "خلف الكواليس" لتواريخ معينة. هذه الفوضى ناتجة عن ثغرة تقنية وإدارية فادحة: غياب آلية مرنة لإلغاء الحجز أو إرجاع التذاكر.
حين يضطر مسافر لتغيير موعد سفره، تضيع تذكرته في الفراغ أو تذهب للسوق السوداء. لا تقوم المنصة بإعادة طرح هذه التذاكر الملغاة للمسافرين الآخرين الذين هم بأمس الحاجة إليها. هذا الانغلاق التقني يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب التطوير والمتابعة لبرمجية المنصة طوال عام كامل.
طوابير الصيف الماضي
كشفت مواسم الذروة السابقة عن ثغرات قاتلة؛ فما قيمة أن يمتلك المسافر تذكرة حجز إلكترونية مدفوعة الثمن، وهو يواجه خطر الإرجاع عند بوابات المعبر؟ المشاهد الصادمة للصيف الماضي أعادت إلى الأذهان ذات فصول المعاناة القديمة. تدافع وازدحام شديد: طوابير بشرية تمتد لساعات تحت أشعة الشمس الحارقة دون أدنى مراعاة للاحتياجات الإنسانية. وإلغاء قيمة الحجز: اضطرار الجهات القائمة على المعبر لإرجاع مئات المسافرين يوميًا بحجة "الاكتظاظ"، مما يحول المنصة إلى مجرد إجراء بيروقراطي إضافي لا يحمي كرامة حامله.
الـ VIP والرشاوى
أمام هذا الاختناق، بات المواطن الفلسطيني يجد نفسه مدفوعا نحو خيارات أحلاها مرّ. فقد تحول العذاب اليومي إلى بيئة خصبة لإنعاش خدمات الـ (VIP) باهظة التكلفة، والتي يبدو أنها المستفيد الأكبر من استمرار أزمة العامّة. أما من لا يملك ترف دفع مئات الدولارات للمرور السريع، فغالباً ما يجد نفسه ضحية لسماسرة المعابر والرشاوى التي تُدفع هنا وهناك لتسريع الدخول، مما يحول حق التنقل الأساسي إلى سلعة طبقية تخضع لمنطق "لمن يدفع أكثر".
اللافت في هذا الملف هو التعاطي الموسمي والآني للجهات الرسمية مع أزمة الجسر؛ فخلال فصل الشتاء، ومع تراجع حركة السفر طبيعيا، ساد هدوء وهمي تراجع معه الاهتمام بالملف وغابت الحلول الجوهرية عن أجندة المسؤولين، وكأن الأزمة انتهت للأبد.
أما الاجتماعات الرفيعة والزيارات التفقدية والتقاط الصور على المعبر، فلم تكن سوى إجراءات بروتوكولية لم تحقق شيئا على أرض الواقع. الوعود بالضغط لتمديد ساعات العمل أو تسهيل الإجراءات تبخرت، وترك المواطن وحيدا في مواجهة ساعات العمل المقلصة الحالية المفروضة من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
لا بد من دق ناقوس الخطر للجهات المعنية للضغط الحقيقي على الاحتلال لتمديد ساعات العمل على المعبر، قبل الدخول في عين العاصفة ووصول الموسم إلى ذروته الطاحنة. فالمؤشرات الحالية لا تبشر بخير؛ إذ شهدنا مؤخراً كيف واجه المسافرون تعقيدات ومشاكل جمة ومكدسة مع كل تدفق موسمي محدود، مثل مواسم الحج والعمرة.
فإذا كانت مواسم دينية محددة الأعداد والمواعيد قد أربكت المعبر وخنقت المسافرين، فكيف سيكون الحال خلال الأسابيع القادمة مع ذروة الموسم الصيفي، التي تجتمع فيها العطلات المدرسية، وموسم الإجازات، وعودة آلاف المغتربين والطلبة من الخارج؟
استمرار المشهد ذاته عاما بعد عام، وبنفس التفاصيل المهينة رغم وجود "منصة إلكترونية"، يؤكد أن المشكلة ليست في أدوات التنظيم، إنما في عجز الإدارة وغياب الإرادة الحقيقية لانتزاع حلول مستدامة (مثل فتح المعبر لساعات أطول من قبل الاحتلال) تحترم كرامة المسافر الفلسطيني. ومع بدء هذا الصيف، يبدو أن المواطن متروك مجدداً ليعيش جولة جديدة من "عذاب الجسر"، في ظل وعود رسمية باتت أشبه بمخدر موضعي ينتهي مفعوله عند أول بوابة في المعبر.
