لماذا لا تلجأ السلطة الفلسطينية إلى التحكيم الدولي للإفراج عن أموال المقاصة؟

عام كامل مرّ دون أن تحول "إسرائيل" شيقلاً واحداً من أموال المقاصة للسلطة الفلسطينية، لتحرمها من إيرادها الرئيسي ولتُدخلها في أزمة مالية باتت تهدد وجودها. ليس ذلك فحسب، بل إن الاحتلال تعمد العمل على "تجفيف" أموال المقاصة المحتجزة والتي زادت عن (16) مليار شيقل عبر تشجيع المستوطنين و"العملاء" رفع قضايا تعويض بحق السلطة في المحاكم الإسرائيلية. وحسب تصريحات سابقة لوزير المالية والتخطيط د. اسطيفان سلامة فإنه يوجد (475) دعوى بمزاعم "التعويض" مرفوعة على السلطة في المحاكم الإسرائيلية قيمتها (65) مليار شيقل.

سؤال يطفو على السطح، طالما أن اسرائيل تعمل على تبديد أموال المقاصة المحتجزة عبر قرارات قضائية، فلماذا لا تلجأ السلطة الفلسطينية إلى التحكيم الدولي للإفراج عن تلك الأموال؟

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور سعيد صبري لـ"صدى نيوز": يمكن تفسير عدم لجوء الحكومة الفلسطينية إلى التحكيم الدولي في قضية أموال المقاصة باعتبارات اقتصادية بحتة تتعلق بالكلفة والمخاطر وعدم ضمان النتائج، أكثر من كونه غيابا للخيارات القانونية.

وينوه إلى أن أموال المقاصة تمثل العمود الفقري للإيرادات العامة الفلسطينية، إذ تشكّل ما يقارب 60–65% من إجمالي دخل الخزينة، مبيناً أن  هذا الاعتماد المرتفع يجعل أي اضطراب في تدفق هذه الأموال ينعكس فورا على الاستقرار المالي، بما في ذلك قدرة الحكومة على دفع الرواتب، والوفاء بالتزاماتها، والحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي. وبالتالي، فإن أي خطوة تصعيدية، مثل اللجوء إلى التحكيم الدولي، يجب أن تُقاس ليس فقط من حيث مشروعيتها القانونية، بل من حيث كلفتها الاقتصادية المباشر.

ويضيف: "من هذا المنظور، تدرك الحكومة أن التحكيم، حتى لو كان مبررًا قانونيًا، قد يستدعي ردود فعل إسرائيلية تشمل تشديد الاقتطاعات أو تأخير التحويلات، وهو ما يعني تعميق أزمة السيولة على المدى القصير. والاقتصاد الفلسطيني، في وضعه الحالي، لا يمتلك هوامش كافية لامتصاص صدمات من هذا النوع دون انعكاسات اجتماعية واقتصادية حادة".

ليست مسألة مالية محايدة 

علاوة على ذلك، يعتقد د.صبري أنه لا يمكن التعامل مع أموال المقاصة كمسألة مالية محايدة، بل هي أداة تحكم في التدفقات النقدية داخل الاقتصاد الفلسطيني، مشيراً إلى أن  إسرائيل، وبحكم سيطرتها على الجباية والمعابر، تمتلك قدرة مباشرة على التأثير في توقيت وحجم هذه التدفقات، ما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا مستمرًا. وعليه، فإن نقل النزاع إلى مسار قانوني دولي لا يضمن تحييد هذه الأداة، بل قد يدفع نحو استخدامها بشكل أكثر تشددًا ضمن إدارة الصراع.

ويرى أنه حتى في حال نجاح التحكيم والحصول على حكم لصالح فلسطين، تبقى مسألة التنفيذ هي التحدي الأهم، منوهاً إلى أن  الاقتصاد لا يستفيد من القرارات القانونية بقدر ما يعتمد على التدفقات النقدية الفعلية. 

ويقول: "حكم غير قابل للتنفيذ يعني استمرار الأزمة المالية، حتى لو تحقق مكسب قانوني مهم. وهنا تظهر الفجوة بين المنطق القانوني، الذي يركّز على الحقوق، والمنطق الاقتصادي، الذي يركّز على النتائج".

التحكيم قد يحمل قيمة سياسية معنوية 

في المقابل، يرى د.صبري أن التحكيم قد يحمل قيمة سياسية ومعنوية، من حيث تعزيز الموقف الفلسطيني دوليًا وتدويل القضية. إلا أن هذه المكاسب تظل محدودة إذا لم تُترجم إلى أثر مالي ملموس.

بناءً عليه، فإن صبري يعتقد أن عدم اللجوء إلى التحكيم لا يعكس ضعفا، بل يعكس قراءة اقتصادية حذرة لمعادلة معقدة تجمع بين المخاطر والكلفة وعدم اليقين. وربما يكون المسار الأكثر فاعلية هو تقليل الاعتماد البنيوي على أموال المقاصة تدريجيًا، وتعزيز الإيرادات المحلية، بالتوازي مع تدويل القضية عبر أدوات ضغط مالية ومؤسسية أكثر استدامة.

مسار معقد من الناحية القانونية 

من جانبه، يقول  الدكتور أمير خليل الخبير في التحكيم الدولي لـ"صدى نيوز" إنه  يمكن من حيث المبدأ لدولة فلسطين أن تسعى إلى إجراءات تحكيم أو تسوية قانونية دولية بخصوص أموال المقاصة، إلا أن هذا المسار ليس بسيطا من الناحية القانونية، إذ يرتبط بعدة عوامل قانونية وسياسية معقدة. فإمكانية اللجوء إلى التحكيم أو القضاء الدولي تعتمد على طبيعة الاتفاقيات القائمة بين الطرفين، وعلى مدى قبول إسرائيل بآليات تسوية النزاعات الدولية في هذا السياق.

وتُعرَّف أموال المقاصة بأنها الضرائب والجمارك التي تجمعها إسرائيل على السلع الواردة إلى الأراضي الفلسطينية بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية، وهي الاتفاقية الاقتصادية الملحقة بـ اتفاقية أوسلو الثانية. ووفقًا لهذه الترتيبات، تقوم إسرائيل بتحويل هذه الأموال شهريًا إلى السلطة الوطنية الفلسطينية بعد اقتطاع رسوم إدارية محددة، ما يجعل هذه الأموال مصدرًا رئيسيًا من مصادر إيرادات الموازنة الفلسطينية.

لا نص صريح في اتفاقية باريس الاقتصادية

أما من ناحية وجود نص يسمح بالتحكيم، فإن اتفاقية باريس الاقتصادية نصّت على إنشاء آليات تنسيق ولجان مشتركة بين الطرفين لمعالجة الخلافات، لكنها لم تنشئ نظام تحكيم دولي واضحًا ومباشرًا كما هو الحال في العديد من المعاهدات الاستثمارية الدولية. لذلك فإن اللجوء إلى التحكيم الدولي يتطلب توفر أحد الاحتمالات القانونية الممكنة.

ويشير د.خليل إلى أن أول هذه الاحتمالات هو اتفاق الطرفين على التحكيم، حيث يمكن نظريًا إحالة النزاع إلى هيئة تحكيم دولية مثل محكمة التحكيم الدائمة (PCA) غير أن هذا الخيار يتطلب موافقة إسرائيل المسبقة على التحكيم، وهو أمر غير مضمون في ظل طبيعة النزاع السياسية والقانونية.

أما الاحتمال الثاني فهو اللجوء إلى القضاء الدولي، مثل التوجه إلى محكمة العدل الدولية. لكن هذا المسار يتطلب أيضًا قبول الولاية القضائية من الطرفين، أو صدور قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يطلب رأيًا استشاريًا من المحكمة، وهو رأي ذو قيمة قانونية وسياسية كبيرة لكنه لا يكون حكمًا ملزمًا من الناحية التنفيذية.

ويؤكد د.خليل أنه يمكن استخدام آليات دولية أخرى، إذ قد تلجأ فلسطين إلى إثارة القضية في إطار الأمم المتحدة أو المؤسسات المالية الدولية، أو محاولة ربطها بمسائل تتعلق بحقوق الإنسان أو بالقانون الإنساني الدولي، خاصة إذا اعتُبر حجز الأموال إجراءً يؤثر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان.

ومع ذلك، يوضح د. خليل أن هذا المسار يواجه عدة تحديات قانونية رئيسية، من أبرزها عدم وجود شرط تحكيم صريح في اتفاقية باريس الاقتصادية، إضافة إلى عدم اعتراف إسرائيل بدولة فلسطين في بعض الأطر القانونية الدولية، فضلًا عن أن النزاع يتسم بطابع سياسي واضح يتجاوز كونه نزاعًا تجاريًا أو ماليًا بحتًا. لذلك فإن أي محاولة للجوء إلى التحكيم أو القضاء الدولي ستحتاج إلى استراتيجية قانونية دقيقة وإلى دعم سياسي ودبلوماسي واسع. 

يشار إلى أنه وحسب بيانات لوزارة المالية والتخطيط، فإن حجم الدين العام والالتزامات المتأخرة على السلطة الفلسطينية، بلغت نحو 47.7 مليار شيقل حتى كانون الثاني الماضي، موزعة بين 10.7 مليار شيقل اقتراضًا محليًا، و4.2 مليار شيقل اقتراضًا خارجيًا، و7.9 مليار شيقل مستحقات لصالح الموظفين، و8.2 مليار شيقل مستحقات لصالح القطاع الخاص، و16.7 مليار شيقل ديونًا لصندوق التقاعد وجهات أخرى.