ترجّح تقديرات أمنية إسرائيلية أن العمليات العسكرية في لبنان مرشحة للاستمرار لفترة طويلة، في ظل توجه الجيش الإسرائيلي للإبقاء على قواته البرية في عمق الجنوب اللبناني لأشهر وربما لسنوات، حتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
جاء ذلك في تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، اليوم الأحد، أشار إلى أنه بعد مرور شهر على بدء المواجهة مع إيران، تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها البرية في جنوب لبنان، حيث تعمل تحت نيران مكثفة تشمل قصفًا مدفعيًا وصواريخ مضادة للدروع وقذائف هاون.
وتأتي هذه التقديرات بالتوازي مع مساعٍ إسرائيلية لتوسيع ما تصفه بـ"الحزام الأمني" داخل لبنان، في ظل قناعة لدى الأجهزة الأمنية بأن الدولة اللبنانية غير قادرة على نزع سلاح حزب الله، وهو ما تستخدمه إسرائيل ذريعة لمواصلة تمركز قواتها داخل الأراضي اللبنانية والإبقاء عليها كحاجز يفصل "التهديد" عن البلدات الحدودية.
وقال مسؤول أمني إسرائيلي: "ندرك أن الحكومة اللبنانية لا تستطيع نزع سلاح حزب الله، وأن بقاء الجيش الإسرائيلي في عمق المنطقة سيستمر لعدة أشهر على الأقل، وربما لسنوات"، حتى في حال التوصل إلى اتفاق على وقف لإطلاق النار.
وبحسب التقرير، تراجع حزب الله ميدانيًا خلال التوغل البري، لكنه يواصل إطلاق نيران كثيفة تجاه القوات الإسرائيلية، بما يشمل مئات الصواريخ يوميًا، إلى جانب استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للدروع. وأفادت المعطيات بمقتل خمسة جنود إسرائيليين منذ بدء التوغل نتيجة صواريخ مضادة للدروع واشتباكات وإطلاق صواريخ.
ووفقًا للتقرير، تهدف العمليات البرية إلى إنشاء "منطقة أمنية" عميقة داخل الأراضي اللبنانية، بعيدة عن الحدود. وفي هذا السياق، يطالب الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي بالتوصل إلى اتفاق يضمن نزع سلاح حزب الله.
ونقل التقرير عن مسؤول أمني أن "الوضع مختلف عما كان عليه قبل 25 عامًا"، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي "دخل إلى عمق أراضي العدو، ويسيطر على مناطق بهدف الحماية، وسيبقى هناك كحاجز بين السكان".
ومع ذلك، تثير احتمالات البقاء الطويل تساؤلات داخل إسرائيل بشأن قدرة الجيش على الاستمرار، خاصة في ظل تحذيرات رئيس الأركان إيال زامير، الذي قال إن الجيش "قد ينهار من الداخل" بسبب عدم إقرار قانون تجنيد الحريديين وعدم تعديل قانون الاحتياط أو تمديد الخدمة الإلزامية، مضيفًا أن "قوات الاحتياط لن تصمد"، وأنه "يرفع عشرة أعلام حمراء".
وأشار التقرير إلى أن الجيش يعمل فعليًا على فرض سيطرة بالنيران في جنوب لبنان، بعد تفجير الجسور وتقطيع المنطقة الواقعة بين الحدود ونهر الليطاني، حيث يواصل تمشيط المناطق وإزالة الأسلحة. ونقل عن جنود في الميدان قولهم إن العمليات تُنفذ ببطء نسبي ومن دون مقاومة كبيرة، وأحيانًا على شكل تقدم متقطع لتفادي قذائف الهاون، مع تنفيذ عمليات تدمير واسعة للبنية التحتية في المنطقة.
ورغم أن إسرائيل تحافظ رسميًا على الغموض بشأن أهدافها المعلنة في لبنان، باستثناء توسيع الشريط الأمني، فإن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، تحدث عن "تغيير جذري في الواقع اللبناني"، وقال خلال اجتماع مع مسؤولين محليين إن مسألة نزع سلاح حزب الله "تقف أمام أعيننا"، مضيفًا أن ذلك مرتبط بالحرب الشاملة مع إيران التي لا تزال مستمرة، ومؤكدًا أن إسرائيل "مصممة على تغيير الواقع في لبنان من أساسه".
واستعرض نتنياهو ما وصفه بالتهديدات التي بناها حزب الله على مدار نحو أربعة عقود، مشيرًا إلى امتلاكه نحو 150 ألف صاروخ وقذيفة، واعتبر أن هذه الترسانة كانت موجهة نحو الجليل والمدن الإسرائيلية بهدف تحويلها إلى "أنقاض"، على حد تعبيره، مضيفًا أن هذا التهديد "أُزيل بمعظمه"، لكنه أقر بوجود "مزيد من العمل". كما قال إن خطر التوغل البري عبر وحدة "الرضوان" قد أُزيل، وإن إسرائيل أقامت "منطقة أمنية حقيقية" تمنع ذلك، مشيرًا إلى العمل على توسيعها لإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع.
في المقابل، طرح وزراء في المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت)، في إحاطات، أهدافًا أكثر طموحًا، إذ قال أحدهم إن الخطة تهدف إلى "تطهير كامل جنوب لبنان من السلاح حتى نهر الليطاني"، بما يشمل "تسوية القرى والأحراش والبقاء في نقاط السيطرة دون الانسحاب".
وأضاف أن حزب الله "ضعيف ومردوع"، لكنه لا يزال يمتلك ترسانة كبيرة، مشيرًا إلى أنه تلقى كميات إضافية من الأسلحة من إيران خلال الفترة الأخيرة، وأن إسرائيل تسعى الآن إلى فرض نزع سلاح كامل حتى الليطاني، مدعيًا أن الحزب يخفي مخازن أسلحة ضخمة تحت منازل مدنية.
وتتضمن الخطة الإسرائيلية تحريك عدة فرق عسكرية داخل جنوب لبنان لتوسيع منطقة السيطرة، مع تحديد أهداف تشمل إزالة التهديد المباشر، تقليص التهديد غير المباشر، إنشاء منطقة أمنية طويلة الأمد، عزل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، وإضعاف حزب الله.
وفي السياق السياسي، تحاول إسرائيل إقناع الولايات المتحدة بعدم ربط أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران بوقف العمليات في لبنان، في حين تسعى طهران إلى الربط بين المسارين وتشترط وقف القتال في لبنان ضمن أي اتفاق.
وأشار مسؤول سياسي إسرائيلي إلى أن العمليات في إيران "وفرت غطاءً" للتحرك في لبنان، معتبرًا أن هذه العملية "كانت مطلوبة منذ أشهر"، وأن الجبهة اللبنانية "أكثر تعقيدًا من الجبهة الإيرانية" ولن تُحسم سريعًا.
كما تطرح التقديرات الإسرائيلية احتمال تدخل سياسي من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف العمليات، في ظل تأثير شخصيات قريبة منه، من بينها رجل الأعمال الأميركي-اللبناني مسعد بولس.
وفي المقابل، تبرز تقديرات أخرى ترجح أن تدفع أطراف لبنانية معتدلة باتجاه منح إسرائيل هامشًا أوسع لمواصلة عملياتها ضد حزب الله حتى نزع سلاحه، ما قد يسهّل على الحكومة اللبنانية فرض حصر السلاح بيد الدولة لاحقًا.
وبحسب دبلوماسيين غربيين، فإن الولايات المتحدة منشغلة حاليًا بالملف الإيراني، ما يفسر منح إسرائيل هامش تحرك واسع في لبنان، مع وجود تحفظات تتعلق بتجنب استهداف البنية التحتية المدنية والتركيز على حزب الله. وفي السياق ذاته، أشار مسؤول إسرائيلي إلى وجود دعم أميركي للعملية، لكن مع "خط أحمر" يتعلق بعدم الإضرار بالمرافق المدنية اللبنانية.
