إرهاب المستوطنين يُدخل الثروة الحيوانية في خطر

قبل أقل من عام، اضطر شامخ دراغمة الى الهروب من إرهاب المستعمرين الذي استشرى في الفارسية بالأغوار الشمالية، إلى منطقة عند التخوم الشرقية لمدينة طوباس، باحثا عن الأمن لأطفاله، والمراعي لماشيته.

كان الرحيل والاستقرار عند سفح جبل في المدينة خيارا قاسيا للشاب، الذي قال إنه بحاجة لعشرات الدونمات من الأراضي الرعوية، لتسريح ماشيته فيها.

في المقابل لا يزال ذياب دراغمة رفقة عدة عائلات فلسطينية، مقيما في خلة سمرة بالأغوار الشمالية يواجه ذاك الإرهاب، ويعتمد على تربية الماشية أيضا.

هذان نموذجان متشابهان في نظام الحياة، مع اختلاف في أماكن العيش. لكن يلاقي الشابان المشكلة ذاتها، في تناقص مساحة المراعي.

يقول مدير زراعة الأغوار الشمالية عمر صوافطة، "ظل للفلسطينيين في الأغوار الشمالية ما يتراوح بين 2-3% من مساحة المراعي".

في مدينة طوباس سهل خصب تصل مساحته التقريبية حوالي خمسة آلاف دونم، كان حتى عقد من الزمان يُزرع بأصناف متنوعة من المحاصيل البعلية والتي تصبح صيفا مرتعا لآلاف رؤوس الماشية التي كانت ترتحل مع العائلات الفلسطينية من الأغوار إلى طوباس صيفًا، تفاديًا للحرارة المرتفعة في الأغوار، قبل عودتها بداية الخريف.

ومنذ عشر سنوات دخل السهل طور الزراعة المروية، وبدت علامات التغيير واضحة عليه، من انتشار الدفيئات البلاستيكية، وتلاشي زراعة البقوليات، والمحاصيل البعلية فيها، ما أدى إلى تناقص في مساحة الأراضي التي يستفاد منها كمراع للماشية.

أدى هذا التغير إلى انتقال الرعي من ذلك السهل، إلى الجبال المحيطة في المدينة دون تأثير واضح على عدد المواشي.

لكن في الشريط الشرقي دخلت هذه الثروة منذ عقد تقريبا، في مرحلة خطرة يمس وجودها بالأساس. فمع بروز ظاهرة الاستيطان الرعوي في مناطق الأغوار الشمالية، بدأت مساحة المراعي المتاحة للمواطنين الفلسطينيين بالتناقص.

وكانت الثروة الحيوانية من أهم الجوانب التي تأثرت بشكل كبير من هذا الاستيطان، وهذا التأثير واضح بلغة الأرقام والإحصاءات الرسمية.

يقول صوافطة، كان ما بين 25-30 ألف رأس ماشية، في 22 تجمعا بدويا منتشرا في الأغوار الشمالية. ومع إفراغ عدد من التجمعات الفلسطينية بشكل كامل من الشريط الشرقي لمحافظة طوباس بفعل إرهاب المستعمرين، تناقص عدد المواشي في تلك المنطقة ليصل إلى ما بين 15-18 ألف رأس ماشية في عشرة تجمعات.

يقول سمير عنبوسي، أحد الذين أجبروا على الخروج من تجمع يرزا شرق طوباس، أنه اضطر إلى بيع 50 رأس غنم، بالإضافة إلى 22 رأس بقر بسبب عدم مقدرته على تسريحها.

وبعد انتقاله إلى منطقة "كشدة" غرب طوباس، ووضع ماشيته في بركس لانكماش مساحة المرعى المتوفرة له، أضطر أن يطعم ماشيته في الشهر بقيمة تصل إلى 6 آلاف شيقل.

هذه الانتكاسة في عدد المواشي في الأغوار الشمالية، هي نتيجة طبيعية لسيطرة المستعمرين من 16 بؤرة رعوية، منها 9 مأهولة بالمستعمرين، حسب قول الناشط الحقوقي عارف دراغمة، على آلاف الدونمات الرعوية.

وأصبحت، حسب "زراعة الأغوار"،  حوالي 200 ألف دونم من المناطق الرعوية في الأغوار الشمالية "معزولة" بفعل اعتداءات المستعمرين، ومشروع "الخيط القرمزي" الذي أعلن عنه الاحتلال الإسرائيلي نهاية العام الماضي، والذي يهدف إلى شق طريق بطول 22 كيلومترا بدءا من حاجز عين شبلي، وصولا إلى ما قبل حاجز تياسير من الجهة الغربية لمحافظة طوباس.

يقول صوافطة، إن هذا "تأثير غير مباشر" بفقدان مساحات كبيرة من المراعي في المناطق الغورية.

موازاة ذلك، أوضح تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن انتهاكات الاحتلال والمستعمرين العام الماضي، أن مجمل مساحة الأراضي الخاضعة لإجراءات استعمارية إسرائيلية 2400 كيلومتر مربع، لا تشمل الأراضي المخطط لعزلها بواسطة جدار الفصل والتوسع العنصري.

التناقص في مساحة المراعي أثقل كاهل المزارعين في الأغوار الشمالية، الذين باتوا يخصصون مبالغة باهظة لإطعام مواشيهم.

يقول صوافطة إن انعدام المراعي رفع تكلفة إطعام رأس من الماشية إلى 3.5 شيقل في اليوم، بعدما كانت في الوضع الطبيعي لا تتعدى شيقلا واحدا في اليوم.

ويؤكد شامخ دراغمة الكلام ذاته، عندما قال لـمراسل "وفا"، إنه يحتاج في الأسبوع طنا من الأعلاف ثمنها يصل حوالي 1500 شيقل، لإطعام ماشيته.

ما يزيد هذا الثقل المادي على مربي الثروة الحيوانية، أن معظم سلالات الماشية التي يربيها المواطنون تعتمد على الرعي في المراعي، ولا تفضل الإبقاء في الحظائر المغلقة.

بالنسبة لذياب دراغمة، فهو بحاجة كل يوم نصف طن من الأعلاف لإطعام مئات الأغنام من ماشيته.

يقول صوافطة: "نحن أمام خطر حقيقي يلتف حول الثروة الحيوانية في الأغوار الشمالية".

يكمن هذا الخطر أيضا، حسب قول صوافطة، بتناقص إنتاجية هذه المواشي في حال ظلت في الحظائر، حوالي 40%، خاصة أنه مرتبط بنوعية الطعام الذي تأكله الماشية.

ويوضح صوافطة، أن الأعشاب التي تنمو في المراعي تمنح رأس الماشية مقدرة على در الحليب بشكل أفضل من تلك التي تأكل العلف.

بلغة الأرقام يمكن ملاحظة هذا الفارق في الحالتين.

"يعطي رأس الماشية سنويا في الوضع الطبيعي، ما متوسطه 150 كيلوغراما من الحليب، يتناقص بفعل إطعامها الأعلاف ليصل ما بين 80-90 كيلوغراما من الحليب سنويا".

يقول تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إن سلطات الاحتلال خصصت 16733 دونما من الأراضي التي تم الاستيلاء عليها سابقا لصالح رعي المستعمرين، في خطوة تكشف عن تطور خطير في أدوات السيطرة، حيث جرى تحويل النشاط الزراعي والرعوي إلى وسيلة استعمارية نشطة للاستيلاء على الأرض.

ومن هذه الأوامر العسكرية، أمر يستهدف ما مجموعه 8700 دونم من أراضي مدينة طوباس.

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإنه خلال عام 2025 نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون ما مجموعه 23827 اعتداء بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.

من بين تلك الاعتداءات كان 1382 اعتداءً استهدفت الأراضي والمزروعات، بما يكشف عن نمط من العنف المنهجي الذي لا يقتصر على الردع أو العقاب، بل يستهدف تفكيك مقومات الحياة الفلسطينية ذاتها.

وفي واقع باتت فيه سلطات الاحتلال تفرض سيطرتها الفعلية على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية، وتُحكم قبضتها على ما يقارب 70% من المناطق المصنّفة (ج)، وتستأثر بما يزيد على 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية، لم تعد الأرقام توصيفاً محايداً للواقع، بل دليل مادي على مشروع سياسي استعماري يستهدف إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

فالرعي، الذي يُقدَّم ظاهرياً كنشاط اقتصادي، يُستخدم فعليا كأداة فرض سيطرة ميدانية، وإقصاء للفلسطينيين عن أراضيهم، وتهيئة المساحات المفتوحة لضمّها لاحقا إلى نفوذ المستعمرات والبؤر الزراعية الاستعمارية.

وتعكس هذه السياسات مجتمعة مسارا مدروسا لإعادة توزيع الأرض قسرا، لا يهدف فقط إلى توسيع المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بل إلى تفكيك مفهوم الملكية الفلسطينية ذاته، وإضعاف قدرة المجتمعات المحلية على الصمود والاستمرار.

فحين تُنتزع الأرض تدريجيا تحت "غطاء قانوني"، وتُمنح لاحقا للمستعمرين تحت عناوين الزراعة أو الأمن، يصبح الاستيطان عملية طبيعية في الخطاب الرسمي، بينما يُدفع الفلسطيني إلى الهامش بوصفه عائقا لا صاحب حق.

قبل أيام أقام مستعمرون ثلاث بؤر استعمارية قرب طوباس، إحداها في منطقة "عينون"، قرب مسكن شامخ دراغمة ثم أحضروا قطيع بقر إليها. لكن بعد متابعة من الارتباط الفلسطيني في طوباس، أزيلت هذه الخيمة.

كانت فرضية بقائها تعطي انطباعا أوليا عن نتائج كارثية لهذه البؤرة، إذ إن قطيع البقر الذي أحضره المستعمرون يعني فقدان مساحات إضافية من المراعي في المنطقة.

إن قصص هذه النماذج الثلاثة من رعاة الماشية، تبين أن اختلاف مكان الإقامة حاليا لا يعني شيئا في توفير مساحة من المراعي.