ما إن توقفت الحرب في قطاع غزة في أكتوبر الماضي، حتى بدأت تتكشف تداعيات إنسانية خطيرة، حيث ظهرت شهادات صادمة لنساء وفتيات تحدثن عن تعرضهن لعمليات استغلال وابتزاز جنسي، وبحسب إفادات عديدة، وقعت الانتهاكات أثناء محاولات الحصول على مساعدات مالية أو غذائية، ويُتهم بالوقوف وراءها أفراد وجهات خدماتية وجمعيات محلية.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، بما في ذلك فقدان مصادر الدخل والنزوح وغياب منظومات حماية اجتماعية حقيقية، كانت عوامل لكشفت الستار عن هشاشة النساء والفتيات، خصوصا الأرامل، ما جعلهن أكثر عرضة لمختلف أشكال الاستغلال، وتتفاقم هذه المخاطر في ظل نظم مساعدات تُدار بشروط غير واضحة أو تخضع لتقدير أفراد، دون رقابة أومساءلة شفافة.
وبحسب ما وردنا من شهادات وُصفت بالمروعة، فإن أنماط الاستغلال الموثقة شملت ابتزاز المستفيدات مقابل تسريع أو ضمان الحصول على المساعدات، واستغلال النفوذ الخدمي أو الإداري، إلى جانب مطالبات غير مشروعة "مقابلا جنسيا" فُرضت تحت ضغط الحاجة، وتفيد الإفادات بأن الخوف من فقدان المساعدة دفع العديد من الضحايا إلى الصمت، ما سمح باستمرار هذه الانتهاكات في ظل غياب آليات رقابة ومساءلة فعالة.
وفي حادثة خطيرة خلال الحرب، وفي ظل القصف المستمر وتدهور الأوضاع الأمنية في غزة، ضبط أحد الشبان، مدير مركز مساعدات تابع لحماس، متلبسا مع فتاة داخل سيارة في منطقة نائية، وقام بتصوير الحادثة، وهدد أحد قادة حماس الميدانيين في منطقته بفضحه إن لم يتوقف المسؤول عن هذه الجرائم التي تتنافى مع القيم الدينية والاجتماعية، إلا أن القصة، انتهت على نحو غريب، بعدما تم اختطاف الشاب لاحقا وتعرضه للتعذيب، وسحب هاتفه منه، قبل أن تُطوى القضية بالكامل دون تحقيق أو مساءلة!
وفي إحدى الشهادات، أفادت امرأة أرملة تبلغ من العمر 35 عامًا بأن أحد القادة المحسوبين على جمعية مشهورة في شمال غزة تابعة لحماس، حصل على رقم هاتفها أثناء تسجيلها للاستفادة من المساعدات، ووفق روايتها، بدأ لاحقا التواصل معها عبر اتصالات ليلية تخللتها أسئلة ذات طابع جنسي وإيحاءات غير لائقة، قبل أن يعرض زيارتها مقابل تسهيل حصولها على المساعدة، وأضافت أنها وبعد رفضها الاستجابة لتلك المطالب، حُرمت من أي معونات لاحقة، ما دفعها إلى حظر رقمه وإنهاء التواصل.
أما الأرملة الأربعينية، التي ترعى ستة أطفال، فقد أفادت بأنها استمرت في تلقي اتصالات ورسائل ذات طابع جنسي من شاب عشريني محسوب على حركة حماس ويعمل في توزيع المساعدات بمنطقة النصر في مدينة غزة، حتى بعد أن حظرت رقمه، واصل تقديم المساعدات وقال لها إنه يواصل تقديم المساعدات لها لرؤيتها، مؤكدة أنه طلب منها زيارتها في الليل، مشيرة إلى أنها لم تُبلغ عما جرى "خوفا من عدم تصديق أحد لها، ولحماية أطفالها الصغار",
وقالت امرأة أخرى تبلغ من العمر 37 عاما إن مسؤولا في مأوى تديره حماس عرض عليها طعاما ومكان إقامة مقابل الخروج معه إلى البحر، في تلميح جنسي رفضته، وأفادت شابة عشرينية بأنها تعرضت لكلمات وإيحاءات جنسية من شاب يعمل ضمن كوادر الحركة، الذي عرض عليها "الزواج" مقابل الحصول على مساعدات غذائية لأطفالها الأربعة، وأكدت أنها شعرت بالإهانة، لكنها اضطرت للتواصل معه ومواصلة طلب المساعدة حفاظا على أطفالها.
في المقابل، دعت مؤسسات حقوق المرأة إلى ضرورة فرض رقابة مستقلة على جميع مراكز توزيع المساعدات، سواء التابعة للتنظيمات المحلية أو للجهات الإغاثية الدولية، مع إنشاء آليات آمنة لتلقي الشكاوى وحماية المبلغات، لا سيما النساء اللواتي يخشين الانتقام أو الوصم الاجتماعي. كما طالبت هذه المؤسسات بفتح تحقيقات شفافة في جميع الادعاءات، ومحاسبة أي مسؤول يثبت تورطه في ممارسات استغلال أو ابتزاز، بغض النظر عن موقعه أو انتمائه.
في ظل هذا الواقع، تبقى الحقيقة رهينة تحقيق مستقل وشفاف، قادر على وضع حد للانتهاكات وإعادة الاعتبار للمساعدات الإنسانية كوسيلة إنقاذ لا كسلاح ضغط، ومنح النساء في غزة الحد الأدنى من الأمان والعدالة في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها القطاع.
وفي الختام، لا يمكن تبرير أي انتهاك باسم المقاومة أو الحرب أو الحاجة، فالكرامة الإنسانية غير قابلة للمساومة، وأي ادعاء بالابتزاز أو الاستغلال الجنسي يستدعي تحقيقا شفافا ومحاسبة عادلة، لحماية النساء وصون كرامتهن، والحفاظ على حقوق فتياتنا وفلذات أكبادنا، نصف مجتمعنا المستحق للحماية والعدالة.
