هل يتطوّر الخلاف السعودي الإماراتي غير المسبوق لأزمة دبلوماسية جديدة في الخليج؟

تُوجِّه وسائل الإعلام السعودية اتهامات صريحة للإمارات "بالخيانة" في لهجة عدائية لم يشهدها الخليج، منذ الحصار بحقّ قطر في 2017، مما يثير خشية من إغراق المنطقة في أزمة جديدة.

يأتي ذلك على خلفية المواجهات الأخيرة في اليمن، حيث تدعم الرياض وأبو ظبي طرفين مختلفين، بعد أن تحركت السعودية لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، ضد الانفصاليين المدعومين من أبو ظبي.

وعلى مدى أسابيع، اتسعت الفجوة بين البلدين على خلفية الهجمات المتواصلة في وسائل إعلام سعودية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإمارات، المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان، وحتى "بالخيانة" و"التحريض".

ففي تقرير لها هذا الأسبوع، اتهمت قناة "الإخبارية" الحكومية السعودية الإمارات، بأنها "تستثمر في الفوضى، وتدعم الانفصاليين" من ليبيا إلى اليمن، والقرن الإفريقي.

ولم يشهد الخليج مثل هذا الخطاب العدائي منذ أن فرضت السعودية والإمارات خصوصا حصارا دبلوماسيا وتجاريا على قطر عام 2017، بسبب خلافات سياسية، في قطيعة استمرت أكثر من ثلاث سنوات ونصف.

وتقول المحللة الأمنية المختصة بشؤون الخليج، آنا جاكوبس: "لطالما شهدت السعودية والإمارات نقاط توتر رئيسية على مدى سنوات، لكنها باتت الآن ظاهرة للعيان بشكل لم نعهده ... يذكرنا التراشق الكلامي على مواقع التواصل الاجتماعي بالخلاف الخليجي الأخير... والآن، تُسلط الرياض الضوء بشكل واضح على اختلافها مع سياسات أبوظبي الإقليمية، ولا تُبدي أي مؤشرات على التراجع"، بحسب ما نقلت عنها وكالة "فرانس برس" للأنباء.

في المقابل، التزمت الإمارات الصمت إلى حد كبير.

"خيانة الشراكة"

يُعد البلدان حليفين تقليديين، وكان الرئيس الإماراتي، محمد بن زايد آل نهيان، بمثابة موجِّه لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، في مسيرته السياسية.

ويرتبط اقتصادا البلدين بشكل وثيق، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 36 مليار دولار في العام 2024، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية.

وتبلغ قيمة الصادرات السعودية إلى الإمارات أكثر من 23,2 مليار دولار. والسعودية هي الشريك التجاري الثالث عالميا للإمارات والأول عربيا، بحسب موقع الخارجية الإماراتية.

وفي الوقت الراهن، يتهم معلقون في السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، الإمارات، بدعم قوى على خلاف مع مصالح السعودية في عدة نزاعات، مثل اليمن والسودان، فيما تتقارب مع إسرائيل، التي طبعّت أبو ظبي علاقتها معها في عام 2020.

ويقول سليمان العقيلي، المحلل السياسي الذي يظهر باستمرار على القنوات السعودية: "هناك شعور سعودي عميق بأن الإمارات خانت الشراكة الإستراتيجية مع السعودية، وأنها تثير الأزمات في العمق الإستراتيجي السعودي".

ويشير العقيلي إلى "تضارب إستراتيجيات" السياسة الخارجية بين الرياض وأبو ظبي، باعتباره نقطة توتر رئيسية، بحسب "فرانس برس".

واتهم الكاتب السعودي منيف الحربي،على قناة "الإخبارية" السياسة الإماراتية بأنها "مشروع إسرائيلي يرتدي عباءة أبو ظبي".

عقب تعزيز سيطرتها على جنوب اليمن، اصطحبت السلطات المدعومة من السعودية صحافيين في جولة داخل ما وصفتها بأنها سجون سرّية أدارها الانفصاليون الموالون للإمارات، وهو اتهام نفته أبوظبي مشيرة إلى أنها منشآت عسكرية.

وعن اختيار الإمارات عدم الرد على الاتهامات الموجهة لها، يقول أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبد الخالق عبد الله: "أصبحنا، بفضل نجاحنا، نموذجا يحتذى به في المنطقة... أصبحنا قوة إقليمية. هل هذا خطؤنا؟"، على حدّ قوله

ويضيف أن "الإمارات لا تريد استفزاز السعودية، وليست معتادة على استفزاز شقيقتها الكبرى ... فعلنا ما طُلب منّا"، في إشارة إلى الانسحاب الإماراتي السريع من اليمن في مطلع العام.

ويتساءل عبد الله "ماذا يريد (السعوديون) منّا الآن؟".

"إجراءات اقتصادية موجعة"

لكنّ العلاقات ظلت متوترة، وقالت قناة "الإخبارية" في تقرير حديث "مع تحريض أبو ظبي ضد السعودية... لن تتردد المملكة في اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة ضدها"، دون مزيد من التفاصيل.

وفيما يستبعد المحلل العقيلي "قطع العلاقات الدبلوماسية"، يقول إن "الرياض يمكن أن تتخذ إجراءات اقتصادية موجعة ضد الإمارات".

وأطلق مؤثرون سعوديون بالفعل حملة تدعو لمقاطعة السياحة في الإمارات، شهدت تفاعلا واسعا.

وكتب مستخدم تحت اسم "دولار السعودية" يتابعه 32 ألفا عبر منصة "إكس"، أن السفر إلى الإمارات "أحيانا تكون تصويتا غير مباشر على سياسات لا نريد دعمها ".

تجاريا، قامت علامة تجارية شهيرة للعطور الفاخرة في السعودية "دخون الإماراتية" بالإعلان عن إطلاقها "هوية جديدة" طارحة عدة أسماء بديلة، لا تتضمن اسم الإمارات.

وبالتوازي مع التصعيد الإعلامي، بدأت تحالفات سياسية وأمنية تتشكل على الأثر، فقد التقى الرئيس الإماراتي هذا الأسبوع برئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي في نيودلهي، واتفق البلدان على العمل من أجل إقامة شراكة دفاعية إستراتيجية.

جاءت هذه الخطوة بعد أشهر من توقيع الرياض اتفاقية دفاع مشترك مع غريمة الهند، باكستان التي تملك السلاح النووي. وصرّح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بأن بلاده تجري محادثات للانضمام إلى هذا التحالف.

في السودان، وهي نقطة توتر أخرى، قدّمت السعودية والولايات المتحدة مقترحا جديدا لوقف إطلاق النار إلى الجيش السوداني، وفق ما أفاد مصدر حكومي سوداني، في مبادرة تستثني الإمارات.

ومنذ فترة طويلة، تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع في مواجهة الجيش السوداني، وهو ما تنفيه أبو ظبي.

وهذا الشهر، ألغت الصومال كل الاتفاقيات مع الإمارات التي تدعم منطقة أرض الصومال الانفصالية والتي اعترفت بها إسرائيل كدولة الشهر الماضي.

مع ذلك، يقول آدم بارون، الباحث في مركز "نيو أميركا"، إنه رغم الهجمات العلنية "الشرسة"، "لا تزال أمامنا مسافة".

ويضيف: "أعتقد أن هذا يحمل رسائل مزدوجة: إشارة إلى إمكانية التهدئة، وفي الوقت نفسه إظهار القدرة على التصعيد".